إنه ليس من الضرورى أن يشهد كل جندى النتائج الأخيرة للكفاح بين الحق والباطل، فقد يخترمه الأجل في المراحل الأولى منه، وقد يصرع في هزيمة عارضة ـ كما وقع لسيد الشهداء"حمزة"ومن معه. والقرآن الكريم ينبه أصحاب الحق إلى أن المعول في الحساب الكامل على الدار الآخرة، لا على الدار الدنيا، فهناك الجزاء الأوفى للمؤمنين والكافرين جميعا."فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون"ودخل رسول الله مكة في رمضان، وظل بها سائر الشهر يقصر، ويفطر أكثر من خمسة عشر يوما، وكان قد خرج من المدينة صائما ثم أفطر هو وصحبه في الطريق. فلما استقر الأمر، شرع يبايع الناس على الإسلام، فجاءه الكبار والصغار والرجال والنساء، فتمت البيعة على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا. * * * وهكذا دخل أهل مكة في الإسلام، وإن كان بعضهم بقى على ريبته وجاهليته يتعلق بالأصنام ويستقسم بالأزلام، وأولئك تركوا للأيام تشفى جهلهم، وتحيى ما مات من قلوبهم وألبابهم. ومادامت الدولة التى تحمى الوثنية وتقاتل دونها قد ذهبت، فسوف تتلاشى هذه الخرافة من تلقاء نفسها. إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة، ولقد أفلحت خطة المسلمين في تعمية الأخبار على قريش حتى بوغتوا في عقر ص _044
دارهم، فلم يجدوا مناصا من الاستسلام، فما استطاعوا الجلاء ولا استجلاب الأمداد، وفتح العرب جميعا أعينهم فإذا هم أمام الأمر الواقع، حتى خيل إليهم أن النصر معقود بألوية الإسلام فما ينفك عنها!