فمن ذلك قصص عن الماضي البعيد المتغلغل في أحشاء القدم، وقصص عن الحاضر الذي لا سبيل لمحمد صلى الله عليه وسلم لرؤيته ومعرفته فضلا عن التحدث به، وقصص عن المستقبل الغامض الذي انقطعت دونه الأسباب، وقصرت عن إدراكه الفراسة والألمعية والذكاء.
وسر الإعجاز في ذلك كله أن هذه الأنباء كلها وقعت كما حدث وما تخلف خبر منها وجاء على النحو الذي أخبر به
وأنه إن أخبر عن غيب الماضي صدقه ما شهد به التاريخ.
وإن أخبر عن غيب الحاضر صدقه ما جاء به الأنبياء
وإن أخبر عن غيب المستقبل صدقه ما تلده الليالي وما تجيء به الأيام.
غيب الماضي:
وغيوب الماضي في القرآن الكريم كثيرة، تتمثل في تلك القصص الرائعة التي تحدث عنها التنزيل الحكيم، ولم يكن لعلم محمد صلى الله عليه وسلم بها من سبيل.
"ففي قصة نوح -عليه السلام- أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا. وفي سفر التكوين من التوراة أنه عاش تسعمائة وخمسين سنة."
قال الله تعالى فيها: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} هود 11 /.49
وترى في قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية. وفي القرآن أنهم لبثوا في كهفهم {ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا} وهذا السنون التسع هي فرق مابين عدد السنين الشمسية والقمرية. قاله الزجاج يعني بتكميل الكسر. فانظر إلى هذا الحساب الدقيق في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.
كفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم" [1] "
(1) النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم المؤلف: محمد بن عبد الله دراز (المتوفى: 1377هـ) اعتنى به: أحمد مصطفى فضلية قدم له: أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعني الناشر: دار القلم للنشر والتوزيع الطبعة: طبعة مزيدة ومحققة 1426هـ- 2005م عدد الأجزاء: 1ج 1/ 66