المبحث الأول:
جهود السابقين في قضية الإعجاز القرآني وحتى العصر الحديث
لقد كانت روعة القرآن الكريم وسحر بيانه مستوليا على قلوب المؤمنين وأفكارهم فكانوا يحسون بنشوة بالغة، وهم يسمعون آيات الذكر الحكيم فلقد كان الذوق العربي السليم يساعد أصحابه على إدراك الأساليب القرآنية في مخاطباته، وكانت قدسية القرآن الكريم وعظمته مسيطرة على نفوسهم وكان الإقرار بالعجز عن الارتفاع إلى مستواه كامنا في النفوس، وبقي هذا الأمر بعد عصر النبوة والخلفاء الراشدين وردحا من الزمن في الدولة الأموية، إلا أن صفاء السليقة العربية بدأت تفقد صفاءها وبدأت الثقافات الفارسية واليونانية تأخذ طريقها إلى المجتمع الإسلامي على يد أبناء هذه الأقطار التي فتحها المسلمون، وفي خضم هذه البيئة المختلطة بالتيارات الثقافية المتباينة، برز الحديث عن أوجه إعجاز القرآن الكريم، وعن سبب عجز العرب عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وكانت مجالس البصرة في القرن الثاني الهجري تموج بالتيارات الفكرية المختلفة من فقهاء ومحدثين ولغويين وأدباء وفلاسفة متكلمين.
ولم يلتفت جمهور العلماء إلى البحث عن أوجه الإعجاز والمعجزة القرآنية، بل لم يبرز مصطلح إعجاز القرآن الكريم على الساحة إلا
بعد أن تكلم واصل بن عطاء [1] وقال: إن إعجاز القرآن الكريم
ليس بشيء ذاتي فيه، وإنما هو بصرف الله تفكير الناس عن معارضته، وهو القول الذي تبناه فيما بعد النظام. [2]
(1) البليغ الأفوه أبو حذيفة المخزومي البصري الغزال ولد بالمدينة سنة 80 هـ تلميذ الحسن البصري واختلف معه في مسألة حكم مرتكب الكبيرة فطرده الحسن من مجلسه وهو رأس المعتزلة وله مؤلف في التوحيد وكتاب (المنزلة بين المنزلتين) توفي عام 131 هـ (سير أعلام النبلاء) للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي تحقيق محمد نعيم العرقسوسي ط مؤسسة الرسالة ببيروت جزء 5/ 464 , 465.
(2) شيخ المعتزلة صاحب التصانيف أبو إسحق إبراهيم بن سيار الضبعي البصري المتكلم شيخ الجاحظ ولم يكن ممن نفعه العلم وقد كفره جماعة وله تصانيف جمة منها كتاب (الطفرة) , (الوعيد) ,وكتاب (النبوة) ومات في خلافة المعتصم عام231 هـ - (سير أعلام النبلاء) للإمام الذهبي - جزء10/ 541.