الصفحة 82 من 163

ثم ذهب بعد ذلك الرافعي يضرب أمثله تدل على الإعجاز البياني في القرآن الكريم وهو يقول مثلا:

وفي القرآن الكريم لفظة غريبة هي أغرب ما فيه وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها منه وهي كلمة {ضيزى} [1]

من قوله تعالى: {تلك إذن قسمة ضيزى} النجم52/ 22 ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه، ولو أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها، فإن السورة التي هي منها هي سورة النجم مفصلة كلها على الياء فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل ثم هي في معرض الإنكار على العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات لله مع أولادهم البنات فقال تعالى: {ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذن قسمة ضيزى} النجم 52/ 22 فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملائمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها الإنكار في الأولى والتهكم في الأخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في

اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية

وإن تعجب فعاجب لنظم هذه الكلمة الغريبة وائتلافها على ما قبلها إذ هي مقطعان:

أحدهما مد ثقيل، والآخر مد خفيف، وقاف جاءت عقب غنتين في {إذن}

و {قسمة} وإحداهما خفيفة حادة، والأخرى ثقيلة متفشية، فكأنها بذلك ليست إلا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي. وهذا معنى رابع للثلاثة التي عددناها آنفا،

(1) (ضَازَ) فِي الْحُكْمِ جَارَ وَ (ضَازَهُ) حَقَّهُ نَقَصَهُ وَبَخَسَهُ وَبَابُهُمَا بَاعَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 22] أَيْ جَائِرَةٌ وَهِيَ فُعْلَى مِثْلُ طُوبَى وَحُبْلَى وَإِنَّمَا كَسَرُوا الضَّادَ لِتَسْلَمَ الْيَاءُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعْلَى صِفَةً وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بِنَاءِ الْأَسْمَاءِ كَالشِّعْرَى وَالدِّفْلَى. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: (ضِئْزَى) بِالْهَمْزَةِ. مختار الصحاح المؤلف: لأبي عبد الله الرازي (المتوفى: 666هـ) المحقق: يوسف الشيخ محمد الناشر: المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت - صيدا الطبعة: الخامسة، 1420هـ عدد الأجزاء: 1 ج 1/ 186

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت