الصفحة 81 من 163

فاصلة للكلام. فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصِح عن موضع الثقل فيه ولكنه جاء في القرآن الكريم على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: {ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر} القمر54/ 26 فتأمل هذا التركيب، وتذوق مواقع الحروف واجر حركاتها في حس السمع وتأمل مواضع القلقلة في دال) لقد (وفي الطاء من

{بطشتنا} وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو {تماروا} ،

مع الفصل بالمد، كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة عليه مستخَفا بعد، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعا كما تكون الأحماض في الأطعمة.

ثم ردد نظرك في الراء من {تماروا} فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء {النذر} حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجْفُ عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه ثم أعجِب لهذه الغنة التي سبقت الطاء في نون {أنذرهم} وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في {النذر} .

وما من حرف أو حركة في الآية إلا وأنت مصيب من كل ذلك عجبا في موقعه والقصد به، حتى ما تشك أن الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحركة والحرف ليس منها إلا ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدم فيه النظر وأحكمته الروية وراضه اللسان، وليس منها إلا متخير مقصود إليه

من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الحركات، وأين هذا ونحوه عند تعاطيه ومن أي وجه يُلتمس على أي جهة يستطاع وكيف يأتي للإنسان في مثل تلك الآية وحدها - فضلا عن القرآن الكريم كله - وهو لا يكون إلا عن نظر وصنعة كلامية والبليغ من الناس متى اعتسف هذا الطريق ولم يكن في الكلام إلى سجيته وطبعه فقد خذلته البلاغة واستهلكته الصنعة وضاق به التصرف وتناثرت أجزاء كلامه من جهاتها وكلما لجً في المكابرة لجت البلاغة في الإباء، فمثله كمن يمشي مستديرا ويحسَب أنه يتقدم، لأنه- زعم- لم يحرف وجهه ولم ينفتل عن قصده، ولأن نظره ما يزال ثابتا فيما يستقبله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت