الصفحة 80 من 163

لحسان بن ثابت -رضي الله عنهما، فلمحت بقوة الملاحظة الناقدة ما فيها من عيوب

تخفى إلا على من يذوق الكلام ذوقًا، ويدرك معانيه وألفاظه بأرب وفكر مستقيم.

قال حسان -رضي الله عنه:

لنا الجفنات الغير يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فاكرم بنا خالًا، وأكرم بنا ابنما

فقالت الخنساء: ضعَّفت افتخارك، وأنزرته في ثمانية مواضع، قالت: قلت لنا الجفنات، والجفنات ما دون العشر، ولو قلت الجفان لكان أكثر، وقلت: الغر، والغرة البياض في الجبهة، ولو قلت البيض لكان أكثر اتساعًا. وقلت: يلمعن، واللمعان شيء يأتي بعد الشيء، ولو قلت: يشرقن لكان أكثر؛ لأنَّ الإشراق أدوم من اللمعان، وقلت: بالضحى، ولو قلت بالدجى لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف أكثر طروقًا بالليل،

وقلت: أسيافنا، والأسياف دون العشرة، ولو قلت سيوفنا لكان أكثر، وقلت: يقطرن، فدلَّلت على قلة القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثر لانصباب الدم، وقلت دمًا، والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدوك. [1]

"ولو تدبرت ألفاظ القرآن الكريم في نظمها، لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة فيهيئ بعضها لبعض، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذُب ولا تساغ وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحروف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن الكريم رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان، واكتنفتها بدروب من النغم الموسيقي حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكان أولى الحركات بالخفة والروعة:"

من ذلك لفظة {النذر} جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جَُسَأَة [2] هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء

(1) المعجزة الكبرى القرآن المؤلف: محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (المتوفى: 1394هـ) الناشر: دار الفكر العربي عدد الأجزاء: 1ج1/ 70

(2) جسأ الشيء يجسأ جسوءا وجسأة فهو جاسيء: صلب وخشن, وأرض جاسئة ونبت جاسيء. يابس , والإسم (والجسأة) مثل الجرعة وهي الصلابة والخشونة. (لسان العرب) 15 جزء لابن منظور ت سنة 711هـ الطبعة الثالثة سنة 1414 هـ الناشر / دار صادر- بيروت ح / 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت