كثيرا من هؤلاء إذا أقبل على صلاته ووقف بين يدي الله يقرأ في الركعة الواحدة سورة أو سورتين من الطوال، وقد يصل في قراءته إلى ربع القرآن أو أكثر وهو مستغرق منتشي لا يشعر بمضي الوقت ولا من بجواره، يسبح في نهر الإعجاز وعذب البيان وأنغامه الموسيقية الرائعة كأنه ليس من أهل الأرض ولا تربطه بهم علاقة.
(ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم في الليل حتى تتورم قدماه وتتفطر من طول القيام؛ أي يتحجر الدم فيها وتنشق.
وقد قام معه شباب من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولكنهم تعبوا فابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يقول: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقام طويلًا حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟
قال: هممت أن أقعد وأدعه، أي يجلس؛ لعجزه عن أن يصبر كما صبر النبي صلى الله عليه وسلم، وحذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ قام معه ذات ليلة فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم البقرة والنساء وآل عمران، الجميع خمسة أجزاء وربع تقريبًا، ويقول حذيفة: كلما أتت آية رحمة سأل، وكلما أتت آية تسبيح سبح، وكلما أتت آية وعيد تعوذ، وهو
معروف ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه يرتل القراءة.)" [1] "
خمسة أجزاء وربع، مع السؤال عند آيات الرحمة، والتعوذ عند آيات الوعيد، والتسبيح عند آيات التسبيح؛ فماذا يكون القيام؟
يكون طويلًا.
وهكذا كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقرأ في الليل.
وإذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود أيضًا، فكان يطيل القراءة والركوع والسجود.
فإذا كان يقوم ـ عليه الصلاة والسلام ـ مثلًا في ليلة من ليالي الشتاء وهي اثنتا عشرة ساعة، يقوم أدنى من ثلثي الليل؛ فلنقل إنه صلى الله عليه وسلم يقوم سبع ساعات تقريبًا وهو يصلي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الليل الطويل. تصور ماذا يكون حاله ـ عليه الصلاة والسلام؟ ومع هذا فقد صبر نفسه، وجاهد نفسه،
(1) (شرح الأربعين النووية) : لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ) الناشر: دار الثريا للنشر عدد الأجزاء: 1ج 1/ 146