وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدًا يدق عن تفطن العالم ويدل عن تبصره. ويقف الزمخشري عند قوله تعالى:
{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} النمل27/ 88 يقف عندها مبهورًا مأخوذًا يقول:
فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ومكانة إضماده ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحُجزة [1] بعض كأنما أُفرغ إفراغًا واحدًا ولأمر ما أعجز القوي وأخرس الشقاشق. [2]
وقال في الآية الأخرى: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أونَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} القصص 28/ 9
ما أحسن النظم في هذا الكلام عند المرتاض بعلم محاسن النظم. [3]
ويقول في قوله تعالى: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} الفرقان25/ 21 هذه الجملة حُسْن استئنافها غاية. [4]
ويقول في آية أخرى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} الرعد 13/ 33 وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي وَرَد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه فتبارك الله أحسن الخالقين. [5]
(1) الحجزة) مَوضِع شدّ الْإِزَار من الْوسط وَمَوْضِع التكة من السَّرَاوِيل وَيُقَال أَخذ بحجزته التجأ إِلَيْهِ واستعان بِهِ وَرجل طيب الحجزة عفيف وَرجل شَدِيد الحجزة صبور على الشدَّة والجهد وَهَذَا كَلَام آخذ بعضه بحجز بعض متناسق متماسك (ج) حجز المعجم الوسيط المؤلف: مجمع اللغة العربية بالقاهرة (إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار) الناشر: دار الدعوة ج1/ 158
(2) جمع الشقشقة وهي شيء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج وهدر. (لسان العرب) لابن منظور - الناشر/ دار صادر - بيروت - الطبعة الثالثة سنة1414هـ0 الكشاف الزمخشري ج 3/ 374
(3) المرتاض: المنجمع عن الناس والمتوجه إلى الحق المتدرب. (تاج العروس من جواهر القاموس) للزبيدي ج14/ 395 - الناشر دار الهداية. الكشاف ج 3/ 382
(4) الكشاف ج 3/ 265
(5) الكشاف للزمخشري ج 3/ 511