بينة مجملة في آن واحد، لهذا السر وسع كتاب الله تعالى جميع أصحاب المذاهب المختلفة والمشارب المتباينة، ووجدوا شفاء أنفسهم وعقولهم فيه، وأخذت الأجيال المتعاقبة من مدده الفياض ما جعلهم يجتمعون عليه ويدينون به، ولا كذلك البشر في كلامهم فإنهم إذا قصدوا إلى توضيح أغراضهم، ضاقت ألفاظهم ولم تتسع للإستباط والتأويل، والأمر في هذه الخاصة ظاهر غني بظهوره عن التمثيل وحسبك أن ترجع إلى كتب التفسير ففيها من ذلك الشيء الكثير.
الخاصة السابعة:
قصد القرآن في اللفظ مع وفائه بالمعنى:
هذه خاصة لم تُعرف لغير القرآن، فإن أبلغ البلغاء من الناس لا يستطيع أن يأتى بكلام لفظه قليل، ومعناه واف وهو إن اتفق له في الموضع الواحد والموضعين، فلا يتفق له في جملة كلام، شعرًا أو نثرًا، وما هو بحاصل إلا على كلام نسبى غير مطرد، بحسب ما أوتِىَ من إلهام وتوفيق، فأبلغ البلغاء إذا حفل باللفظ أضر بالمعنى، وإذا حفل بالمعنى
أضر باللفظ، نهايتان مَن حاول أن يجمع بينهما وقف منهما موقف الزوج بين ضرتين، لا يستطيع أن يعدل بينهما دون ميل إلى إحداهما.
خذ من القرآن الكريم مقدارًا من الكلام ثم قارنه بما يساويه من كلام البلغاء تجد عجبًا، ثم انظر أي الكلامين تستطيع أن تتناوله بالتعديل أو التبديل دون أن تخل بمعناه؟
إنك إذا حاولت هذه المحاولة فستنتهي إلى هذه الحقيقة التي أعلنها ابن عطية [1] وهو يتحدث عن القرآن الكريم إذ يقول: (لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد) [2]
(1) عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن غالب بن تمام بن عطية الإ مام الكبير قدوة المفسرين أبو محمد الغرناطي القاضي حدث عن أبيه وعن أبي علي النسائي وكا ن فقيها بارعا عارفا بالأحكام والحديث والتفسيروله التفسير المشهور (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) توفي سنة 546 هـ (طبقات المفسرين) ص 175 , 176 أحمد بن محمد الأدنروي تحقيق سليمان بن صالح الخزي الناشر / مكتبة العلوم والحكم المدينةالمنورة.
(2) (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لابن عطية الأندلسي ت: 542 هـ المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - 1422 هـ ج1/ 52