الصفحة 61 من 163

ومن عجب أنه في تحويله الكلام من نمط إلى نمط , كثيرًا ما تجده سريعًا لا يجارى في سرعته، ثم هو على هذه السرعة الخارقة لا يمشي مكبًّا على وجهه، مضطربًا أو متعثرًا، بل هو محتفظ دائمًا بمكانته العليا من البلاغة يمشي سويًا على صراط مستقيم.

واعلم أن تصريف القول في القرآن الكريم على هذا النحو كان فنًّا من فنون إعجازه الأسلوبي كما ترى، وكان في الوقت نفسه مِنَّة يمنها الله على الناس، ليستفيدوا عن طريقها كثرة النظر في القرآن الكريم , الإقبال عليه قراءة وسماعًا وتدبُّرًا وعملا، وأنه لا عذر معها لمن أهمل هذه النعمة وسفَّه نفسه، اقرأ إن شئت قوله سبحانه في سورة الإسراء:

{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} 17/ 89.

وقوله سبحانه في سورة الكهف: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} 18/ 54

وقوله سبحانه في سورة الرعد:

{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال} 13/ 17 [1]

الخاصة السادسة:

جمع القرآن الكريم بين الإجمال والبيان مع أنهما غايتان متباينتان لا

يجتمعان في كلام واحد للناس، بل كلامهم إما مجمل وإما مبين [2]

لأن الكلمة إما واضحة المعنى لا تحتاج إلى بيان، وإما خفية تحتاج إلى بيان، ولكن القرآن الكريم وحده هو الذي انخرقت له العادة فتسمع الجملة منه وإذا هي

(1) بتصرف يسير من"مناهل العرفان"ج2 ص322، 323

(2) المجمَل هو المبهَم الذي لا يتَّضِحُ المراد منه إلّا بقرينة شرعية تزيل إبهامه وتوضِّحُ المراد منه - والمبيِّن هو: ما يفرِّق بين الشيء وما يشاكله, فهو دلالة على المعنى المراد على سبيل البَسْطِ والتفصيل. (دراسات في علوم القرآن) المؤلف: محمد بكر إسماعيل (المتوفى: 1426هـ) الناشر: دار المنار الطبعة: الثانية 1419هـ-1999م عدد الأجزاء: 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت