صغيرة متآخذة الأجزاء متعانقة الآيات، وبين سور القرآن من التناسب ما جعله كتابا سوي الخلق حسن السمت، {قرآنا عربيًا غير ذي عوج} الزمر39/ 28،"فكأنه هو سبيكة واحدة تأخذ بالأبصار وتلعب بالعقول والأفكار" [1] ، على حين أنها مؤلفة من حلقات، لكل حلقة وضع خاص من السبيكة لكن على وجه من جودة السبك وإحكام السرد، جعل من هذه الأجزاء المنتشرة المتفرقة، وحدة بديعة متآلفة، تريك كمال الانسجام بين كل جزء وجزء من غير تفكك ولا تخاذل، ولنضرب على سبيل المثال سورة الفاتحة، تأمل كيف تترابط وتتناسق في حسن، تخلص من معنى إلى معنى، ومن مقصد الى مقصد، افتتحت متوجة {باسم الله} وذلك بإضافة الاسم إلى لفظ الجلالة الذي هو إسم الذات الجامع لصفات الكمال، ويوصف لفظ الجلالة بأنه {الرحمن الرحيم} ثم انتقل الكلام إلى إعلان أنه تعالى مستحق للمحامد كلها، ثم انتقل بالكلام إلى تدعيم هذا الاستحقاق بأدلة ثلاثة جرت على اسم الجلالة مجرى الأوصاف في مقام حمده {الحمد لله رب العالمين} ثم انتقل الكلام إلى إعلان {الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين} وحدانيته، في ألوهيته وربوبيته {إياك نعبد وإياك نستعين} مادام أنه هو المعين وحده ومستحق المحامد كلها وحده. ثم انتقل الكلام في براعة إلى بيان المطمح الأعلى للإنسان، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم في قوله تعالى اهدنا
الصراط المستقيم ثم انتقل الكلام إلى تقسيم الخلق بالنسبة إلى هذه الهداية ثلاثة أقسام {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وإذا الناس أمام عينيك بين منعم عليه بمعرفة الحق واتباعه، ومغضوب عليه بمخالفة الحق مع العلم به، وضال رضي أن يعيش عيشه الأنعام؛ في متاهة الجهالة والحيرة والضلال.
ثم تنظر في سورة البقرة، فإذا هي وما بعدها ترتبط بالفاتحة ارتباط المفصل بالمجمل، فالهداية إلى الصراط المستقيم صراط من أنعم الله عليهم من النبيين
(1) سورة الواقعة ومنهجها في العقائد (دراسات في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) المؤلف: محمود محمد غريب: من علماء الأزهر الشريف والموجه الديني لشباب جامعة القاهرة الناشر: دار التراث العربي - القاهرة الطبعة: الثالثة - 1418 هـ ج1/ 184