ففى النفس قوتان، قوة تفكير وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير
حاجة الأخرى، ولا تجد بليغًا يفي لك بحاجة القوتين في عبارة واحدة، ولكنك تجد ذلك في القرآن الحكيم، في أجمل صورة وأوضح بيان،
ويتضح ذلك في قول الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهَ أنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الموتى إِنَّهُ ِ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِير فصلت 41/ 39.
وفي قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى ِ لكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} ق50/ 11:6
"تأمل في الأسلوب البارع، الذي أقنع العقل وأمتع العاطفة في آن واحد حتى في الجملة التي هي بمثابة النتيجة من مقدمات الدليل، إذ قال تعالى في الآية الأولى {إن الذي أحياها لمحيي الموتى} وفي الآيات الأخيرة"
{كذلك الخروج} فانظر إلى هذا الجمال الساحر و الإعجاز الباهر الذي يخاطب عقل الإنسان وقلبه معًا بأنصع الأدلة وأمتع المعروضات في هذه الكلمات المعدودات.
ويستحيل هذا في كلام البشر. لأن كلامهم إن وفى بحق العقل بخس العاطفة حقها، وإن وفى بحق العاطفة بخس العقل حقه، وبمقدار ما يقرب من أحدهما يبعد عن الآخر" [1] "
الخاصة الرابعة:
جودة سبك القرآن الكريم وإحكام سرده
ومعنى هذا أن القرآن الكريم بلغ من ترابط أجزائه وتماسك كلماته وجمله وآياته وسوره، مبلغا لا يدانيه فيه أي كلام آخر، مع طول نفسه وتنوع مقاصده وافتنانه في الموضوع الواحد، فبين كلمات الجملة الواحدة من التآخي والتناسق، ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها وحدة
(1) بتصريف يسير من كتاب (مناهل العرفان) ج2/ 315 ط المطبعة الفنية بالقاهرة.