الصفحة 54 من 163

وقال سبحانه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} النمل 27/ 14.

ونخلص من هذا الذي ذكرناه آنفًا إلى أن اللفظ الذي انتقاه الله من أفصح لغات العرب يمتاز عن غيره من الألفاظ السائدة في كلامهم

بثلاث سماتٍ رئيسية: [1]

الأولى: جمال وقعه في السمع.

الثانية: انسجامه الكامل في المعنى.

الثالثة: اتساع دلالته لما لا تتسع له عادة دلالات الألفاظ الأخرى.

وقد نجد هذه السمات الثلاثة في بعض الأساليب الأدبية، ولكنها لا تجتمع كلها في أسلوب أديب.

ولو اجتمعت لا تطَّرد في جميع كلامه، بل لا بُدَّ أن يشذَّ لفظ عن دائرة الفصاحة، أو يتنافر مع غيره في التركيب , أو يقصِّر عن أداء المعنى المراد إبرازه، أو لا يكون له من الجمال ما يثير الإعجاب، أو يبعث في النفوس الرغبة الملِّحة في القراءة أو في السماع.

أما القرآن الكريم فإنه في الذروة العليا فصاحة وبلاغة وبيانًا، لا قدرة لأحد مهما علا قدره في البلاغة والأدب أن يباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى، مع أنه لم يغلق دونهم أبواب المعارضة، بل فتحها لهم على مصاريعها، ودعاهم إليها أفرادًا وجماعات، وتحدَّاهم بأقصرسورة من سوره, فعجزوا جميعًا عن الإتيان بمثل آية من آياته, فأدركوا من خلال عجزهم أنه ليس من كلام البشر, بل هو من كلام خالق القوى والقدر.

"ومن عجيب أمر هذا الجمال اللغوي وذاك النظام الصوتي، أنهما كما كانا دليل إعجاز من ناحية، وكانا سورًا منيعًا لحفظ القرآن الكريم من ناحية أخرى، وذلك أن من شأن الجمال اللغوي والنظام الصوتي، أن يسترعي الأسماع، ويثير الانتباه ويحرك داعية الإقبال في كل إنسان، إلى هذا القرآن الكريم."

(1) دراسات في علوم القرآن المؤلف: محمد بكر إسماعيل (المتوفى: 1426هـ) الناشر: دار المنار الطبعة: الثانية 1419هـ-1999م عدد الأجزاء:1 - ج1/ 331

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت