يبلغ قومك أنك منكر له وكاره، فقال الوليد: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم من رجل أعلم مني بالشعر لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته. قال أبو جهل للوليد: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، فقال الوليد: دعني أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثره عن غيره، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَوَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَثُمَّ نَظَرَثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
فانظر إلى الرجل حين أرسل نفسه على سجيتها العربية، وبديهتها الفطرية كيف أنصف في حكمه حين تجرد ساعة من عناده وكفره، وقال والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا إلى أن قال وإنه ليحطم ما تحته، ثم انظر إلى الرجل حين غلبت عليه شقوته عاوده عناده وتعصبه كيف قاوم فطرته وأكره نفسه على مخالفة شعوره [1] .
2 -ونريد بجمال القرآن الكريم اللغوي تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها في رصف حروفه وترتيب كلماته، ترتيبا دونه كل ترتيب ونظام تعاطاه الناس في كلامهم وبيان ذلك أنك إذا استمعت إلى حروف القرآن الكريم خارجة من مخارجها الصحيحة تشعر بلذة جديدة في رصف هذه الحروف بعضها بجانب بعض في الكلمات والآيات هذا ينقر وذاك يصفر، وهذا يخفي وذاك يظهر، وهذا يهمس وذاك يجهر، ومن هنا يتجلى لك جمال لغة القرآن الكريم حين خرج إلى الناس في هذه المجموعة المختلفة المؤتلفة، الجامعة بين اللين والشدة، والخشونة والرقة، والجهر والخفية، على وجه دقيق محكم، وعلمت كذلك أن هذا القرآن ليس من عند بشر، ولكنهم جحدوا ذلك حسدًا من عند أنفسهم، وتعاليًا على الحقِّ , واستكبارًا في الأرض بغير حق.
قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} الأنعام 6/ 33.
(1) انظر مناهل العرفان للزر قاني 2/ 312