2 -الفرض الثاني: فينقضه الواقع التاريخي أيضا، ودليلنا على هذا ما تواترت به الأنباء من أن بواعث المعارضة قد وجدت سبيلها إلى نفوسهم ونالت منالها من عزائمهم، فهبوا هبة رجل واحد يحاولون القضاء على دعوة القرآن الكريم بمختلف الوسائل وبذلوا في ذلك كل مرتخص وغال، فلم يتركوا طريقا إلا سلكوه، ولم يدعوا بابا إلا طرقوه. فلقد آذَوْه صلى الله عليه وسلم وآذوا أصحابه فسبوا من سبوا وعذبوا من عذبوا وقتلوا من قتلوا، ولقد طلبوا إلى عمه أبي طالب أن يكفه وإلا نازلوه وإياه. [1]
3 -الفرض الثالث: فينقضه ما سجل التاريخ وأثبت التواتر من أن دواعي المعارضة كانت قائمة موفورة ودوافعها كانت ماثلة متآخذة، وذلك لأدلة كثيرة منها
أن القرآن الكريم تحداهم - وما زال - غير مرة أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه، ثم سجل العجز عليهم وقال بلغة واثقة إنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا ولن يفعلوا ولو ظاهرهم الإنس والجن فكيف لا تثور حميتهم إلى المعارضة بعد هذا ولو كانوا أجبن خلق الله؟
إن العرب الذين تحداهم القرآن الكريم كانوا مضرب المثل في الحمية والأنفة وإباء الضيم، فكيف لا يحركهم هذا التحدي والاستفزاز؟
إن صناعتهم كانت البيان وديدنهم التنافس في ميادين الكلام، فكيف لا يطيرون بعد هذه الصيحة إلى حلبة المساجلة والنزال؟
أن القرآن الكريم أقام حربا شعواء على أعز شيء لديهم وهي عقائدهم المتغلغلة
فيهم وتقاليدهم المتمكنة منهم فأي شيء يلهب المشاعر ويحرك الهمم إلى المنازلة والمساجلة أكثر من هذا؟
ما دامت هذه المساجلة هي السبيل الأمثل لإسكات خصمهم - لو استطاعوا -
أضف إلى ذلك ما كان يتمتع به هؤلاء من قوة في البلاغة والبيان والفصاحة، فما رأينا في عصر من العصور على مر الزمان أن تقام سوق تعرض فيها الكلمة وذلك
(1) انظر المبحث الأول من هذا الفصل (الشبهات الواردة على تاريخ الفرآن رقم 1) ص 125