من خلال عرض قصائد هم الشعرية مثل ما صنعوا [1] ، وبعد مجيء الإسلام وتشبعهم بتعاليمه، وانقيادهم التام لهديه، امتزجت هذه الملكة بهدي القرآن وإعجازه، حتى خرجت إلى الناس في أزهى حلة، وأحسن أسلوب، وأجزل عبارة، وحسبنا في ذلك ما رأيناه في شعر حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحه، وكعب بن زهير بن أبي سلمى، وعباس بن مرداس من شعراء صدر الإسلام، وغيرهم كثير من شعراء العصر الأموي، حتى بلغ منتهاه في العصر العباسي الأول، إذا ثبت هذا فكيف يقال إن عارضا ما قد عطل مواهبهم البلاغية والبيانية عن معارضته؟
{ولكن المنافقين لا يعلمون} المنافقون 63/ 8
ثم ألم يكف هؤلاء شهادة أعداء القرآن الكريم أنفسهم في أوقات تخليهم عن عنادهم كتلك الشهادة التي خرجت من فم الوليد وصدق الشاعر حيث قال:
شهد الأنام بفضله حتى العدا ... والفضل ما شهدت به الأعداء
"ولقد عقب الإمام الزر قاني على هذه الشبهة بقوله: إني لأعجب من القول بالصرفة في ذاته ثم ليشتد عجبي وأسفي حين ينسب إلى ثلاثة من علماء المسلمين الذين نرجوهم للدفاع عن القرآن الكريم ونربأ بأمثالهم أن يثيروا هذه الشبهات في إعجاز القرآن الكريم. [2] "
على أنني أشك كثيرا في نسبة هذه الآراء السقيمة إلى أعلام من علماء المسلمين، ويبدو لي أن الطعن في نسبتها والقول بأنها مدسوسة من أعداء الإسلام
(1) وعكاظ: نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال. وذو المجاز: خلف عرفة. ومجنة: بمر الظهران، قرب جبل يقال له الأصغر، وهو بأسفل مكة على قدر بريد منها. وهذه أسواق للعرب. وكان أهل الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذى القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنة بعد مضى عشرين يوما من ذى القعدة، فإذا رأوا هلال ذى الحجة ذهبوا من مجنة إلى ذى المجاز، فلبثوا به ثمان ليال، ثم يذهبون إلى عرفة. ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة، لما خرج الحرورى بمكة مع أبى حمزة المختار بن عوف خاف الناس أن ينتهبوا فتركت إلى ألان، ثم ترك ذو المجاز ومجنة بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة. (عن شرح القسطلاني) . (الجامع لأحكام القرآن) = تفسير القرطبي المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، 1384هـ عدد الأجزاء: 20 جزءا (في 10 مجلدات) ج2/ 413
(2) أراد بالثلاثة-أبو إسحق الإسفراييني, والنظام, والمرتضي, وسبق الترجمة لهم في المبحث الأول من التمهيد.