تبديل، فإمّا أن يهلكه الله فيتخلصوا منه، أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحا لافترائه على الله". [1] "
فلو كان هذا القرآن من كلامه فما الذي منعه من الإتيان بغيره، أو تبديله
استرضاءا لهم، وحينئذ يكتسب أنصارا إلى أنصاره، ويضم أعوانا إلى أعوانه، ويكون ذلك أروج لدعوته التي يحرص عليها وعلى نجاحها، لكنه أعلن عجزه عن إجابة هذه المقترحات وأبدى مخاوفه إن هو أقدم على هذا الذي سألوه وتنصل من نسبة القرآن الكريم إليه - مع أنه الفخر كل الفخر- وألقمهم حجرا في أفواههم بتلك الحجة التي أقامها عليهم وهي أنه نشأ فيهم لا يعرف ولا يعرفون عنه ذلك الذي جاء به وهو القرآن الكريم [2]
الوجه الحادي عشر
الآيات التي تجرد الرسول من نسبتها إليه:
أنك إذا قرأت القرآن الكريم وجدت آياته تجرد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من نسبتها إليه وتصفه بأنه كان قبل نزول القرآن لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان وتمتن عليه بأن الله قد آتاه الكتاب والحكمة بعد أن كان لا يعلم عنهما شيئا قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} الشورى42/ 52.
وقوله تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} النساء 4/ 3 11
فالناظر في هذه الآيات يعلم بما لا يدع مجالا للشك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم أن الله سيشرفه بالنبوة والرسالة، وأنه سيلقي عليه هذا القول الثقيل قال تعالى: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} المزمل73/ 5
هذا القول الذي تنوء بحمله الجبال قال تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على
جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله الحشر59/ 21
فبعد ما شرفه الله تعالى برسالته وأشرقت نفسه بنورها، كان إذا فتر الوحي
عنه قليلا عراه من الحزن والوجيب وشدة التحرق والتشوق على فترته والتلهف
(1) المرجع السابق (الكشاف) ج 2/ 334
(2) بتصريف يسير من كتاب (مناهل العرفان) ج2/ 402