على عودته ما جعله يمشي هائما حائرا لا يعلم أين السبيل والمقصد كل ذلك بين جبال مكة وشعابها حتى لقد كاد يتردى مرة من شاهق وهو يطلبه.
"فإن كان يطلب السؤدد، فليس شيء أوجه له ولا أمجد من أن يكون هذا القرآن الكريم كلامه، ولوكان كذلك لأثبت به ألوهيته بدلا من نبوته، وإذا لكانت تلك الألوهية أبلغ في نجاح دعوته وأرجى في ترويج ديانته"
لأن الناس تبهرهم الألوهية، أكثر مما تبهرهم النبوة،
ويشرفهم أن يكونوا أتباع إله أكثر من أن يشرفهم أنهم أتباع رسول لم يخرج ولن يخرج يوما من أرض العبودية ولم يرتق ولن يرتقي يوما إلى سماء الربوبية" [1] "
الوجه الثاني عشر
تأثير القرآن الكريم ونجاحه:
إن القرآن الكريم بلغ في نجاحه مبلغا خرق به نواميس الكون، وخرج على العادات التي امتزجت بدمائهم، والتقاليد التي ألفوها، والعقائد التي توارثوها وأخلاقهم التي نشأوا عليها وذلك لما تميز به سلطانه القاهر على النفوس وأحكامه النافذة المسيطرة على الميول والعواطف، فأحدث بذلك
تغييرا مفاجئا لم يحدث في أي عهد من عهود التاريخ قديمه وحديثه.
تأثيره في أعدائه:
إن العرب وهم ائمة البلاغة وصيارفة البيان وأرباب الكلمة، وأساطين الفصاحة، قد هالهم وجذبهم، ما فاجأهم به القرآن الكريم من سحر بيانه، وعذب منطقه، ورصانة ألفاظه، وروعة أسلوبه، فكانت السبب في انجذابهم إليه، ويتجلى ذلك واضحا فيما يلي:
"ويذكرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي قِصَّةِ أَبِي جَهْلٍ حِينَ جَاءَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ، هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ صَخْر بنِ حَرْب، والأخْنَس بْنُ شِريْق، وَلَا يَشْعُرُ واحدٌ مِنْهُمْ بِالْآخَرِ. فَاسْتَمَعُوهَا إِلَى الصَّبَاحِ، فَلَمَّا هَجَم الصُّبْحُ تَفرَّقوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِلْآخَرِ: مَا جَاءَ بِكَ؟ فَذَكَرَ لَهُ مَا جَاءَ لَهُ ثُمَّ تَعَاهَدُوا أَلَّا يَعُودُوا، لِمَا يَخَافُونَ مِنْ عِلْمِ شَبَابِ قُرَيْشٍ بِهِمْ، لِئَلَّا يَفْتَتِنُوا"
(1) بتصريف يسير من كتاب (مناهل العرفان) ج2/ 403، 404