قال من فوره: لو كان هذا كلام محمد صلى الله عليه وسلم ما سجل على نفسه هذه الأخطاء
وخلاصة القول أن في هذا المقام أمور ثلاثة:
(أولها) أن هذه الأخطاء لم تكن من جنس الأخطاء التي يتردى فيها كثير
من ذوي النفوس الوضيعة، كمخالفة أمر من الأوامر الإلهية الصريحة أو ارتكاب فعل من الأفعال القبيحة.
إنما كانت في أمور لم يكن فيها نص صريح، فأعمل نظره وأجال فكره وبذل
وسعه حسب طاقته البشرية، ولكن على رغم من ذلك كله أخطأ [1]
)ثانيها (أن الله تعالى لم يقر رسوله على خطأ أبدا، لأن الأمة مأمورة من الله تعالى باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يقول ويفعل، فلو أقره على خطأ أو سكت عنه، لكان ذلك مدعاة إلى التشكك في ما يصدرعن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، لهذا كان الحكيم العليم لا يمكن أن يقر القدوة العظمى على خطأ أبدا [2] ، بل يبين له وجه الصواب، وقد يكون مع هذا البيان لون من ألوان العتاب لطيفا أو عنيفا توجيها له وتكميلا، لا عقوبة وتنكيلا.
(1) ومثال ذلك قضاؤه صلى الله عليه وسلم في مسألة الظهار لامرأة أوس بن الصامت فقد روي أنه قال لها: ما عندي في أمرك شيء. وروى أنه قال لها: حرمت عليه0 فنزلت (سورة المجادلة) انظر (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل) للزمخشري (المتوفى: 538هـ) الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - 1407 هـ عدد الأجزاء: 4 ج 4/ 484
(2) ومن ذلك أسرى بدر، أخذ فيهم (صلى الله عليه وسلم) رأى أبى بكر الصديق في استحيائهم وقبول الفداء منهم، وكان عمر أشار عليه بقتلهم، وأشار عليه غيره بحرقهم استبلاغًا فيهم، فبات النبى يرى رأيه في ذلك، وكانت أول وقعة أوقعها الله تعالى بالكفار، فأراد الله أن يكسر كيدهم بقتلهم، فعاتب النى (صلى الله عليه وسلم) وأنزل عليه: (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا(يعنى: الفدية،) والله يريد الآخرة (أى: إعلاء كلمته، وإظهار دينه بقتلهم. وقال(صلى الله عليه وسلم) : (لو نزلت آية عذاب ما نجا منها إلا عمر) لأنهم طلبوا الفداء، وكانت الغنائم محرمة عليهم. وقال الطبرى: في قوله (صلى الله عليه وسلم) : (لو نزلت آية عذاب ما نجا منها غير عمر) شرح صحيح البخارى لابن بطال المؤلف: ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (المتوفى: 449هـ) تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم دار النشر: مكتبة الرشد - السعودية، الرياض الطبعة: الثانية، 1423هـ - 2003م عدد الأجزاء: 10 ج 5/ 175