... والواجب أن يكون هذا الحكم من خلال مكان الكلمة في سياقها ، وما أضافته للمعنى بهذا الثقل ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، والقرآن الكريم كلام لا يعاد له كلام ، فإذا قرأت معى قول الله تعالى { تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } [1] ربما دخل في نفسك شك في كون كلمة"ضيزى"كلمة غريبة ، وسألت نفسك: لماذا لم يأت القرآن بكلمة أوضح منها مثل"جائرة أو ظالمة"؟ ولكنك مع التأمل وقراءة الآية من خلال سياقها واللفظة من خلال مكانها ، ونظرت في الغرض من الآية ، وجدت أنها مناسبة في موضعها ، وإذا أردت شاهدًا على ذلك فحاول أن تحذف هذه اللفظة مستعيضًا عنها بلفظة في معناها واقرأ مثلًا"تلك إذًا قسمة جائرة"، ووازن بين الكلامين ستجد البون شاسعًا بين اللفظين .
... وهذا الكلام يمكن قياسه على كون الكلمة غريبة أو متباعدة المخارج ، فالحكم على اللفظة وإن تقاربت مخارجها أو جاءت غريبة ، يكون من خلال مكانها ، والحكم عليها من خلال جاراتها ونظمها مع أخواتها .
... يقول ابن الأثير في ذلك معلقًا على قول الله تعالى { تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } ،:"جاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذى جاءت السورة جميعها عليه ، وغيرها لا يسد مسدها في مكانها" [2] ، ثم يقول:"... لو جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة ، وقلنا: قسمة جائرة ... لم يكن النظم كالنظم الأول ، وصار الكلام كالشيئ المُعوذ الذى يحتاج إلى تمام ، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام" [3] .
(1) سورة النجم ، آية: 22 .
(2) المثل السائر جـ 1 ص 177 .
(3) السابق .