... والحقيقة التى لا مراءَ فيها أن ابنَ سنان قد وفَّى بوعده حيث ذكر ذلك منظمًا مرتبًا بدأه بالصوت فالحرف فالكلمة ... الخ ، ولعله بهذا يسيرُ في الاتجاهِ الصحيحِ للبلاغةِ التى تهتمُّ بالنظم والتأليفِ.
... وكل ما يمكن أن يؤخذَ عليه في التمهيد الذى عقدهُ للحديث عن الأصوات والحروف وما تبعَ ذلك هو"أنه لم يحاولْ أن يربطَ ربطًا فعالًا بين خصائص الأصواتِ والحروفِ وبين الفصاحة والبلاغة" [1] ، فقد جاءت دراستُه جافةً أشبهُ بدراساتِ اللغويينَ والفلاسفةِ ، مما جعل الشقَّ الأولَ من الكتاب كأنه ليس منه ، فالأسلوبُ جافٌّ ، خالٍ من الجمال ، والعرضُ يَشوبُه التعقيدُ والالتواءُ أحيانًا .
... ومع هذا فقد كانت لهذهِ الفصولِ أهميةٌ عظيمةٌ حيثُ مهدتْ للحديثِ عن الفصاحةِ التى تعنى عندهُ الظهورَ والبيانَ ، والتى هى الغايةُ من تأليف كتابِه.
... وقد عرَّفَ الفصاحة ، مُوردًا لها شواهدَ عديدة غير فارقٍ بينها وبين البلاغةِ والبيانِ ، كما ظن ذلك بعض البلاغيين [2] ، الذين أمسكوا بطرف الكلام دون تتبع مجموعه ، حيث عرف الفصاحةَ بما تدلُّ عليه البلاغةُ ، مما هو مذكورٌ في مكانِهِ من الفصل الأول من هذا البحث .
... ثم ينتقل من ذلك إلى الحديثِ عن الفصاحة في اللفظة المفردة ، وقد وضع لذلك شروطا عدة [3] متى تكاملتْ فلا مزيدَ على فصاحة تلك الألفاظ ، وبحسب الموجود منها تأخذُ القسطَ من الوصف ، وبوجود أضدادها تستحق الإطراحَ والذمَّ [4] .
(1) البلاغة الصوتية في القرآن الكريم أ.د/ محمد شادى ص 17.
(2) د/ شوقى ضيف في كتابه"البلاغة تطور وتاريخ"ص 153 ، د/ رجاء عيد في كتابه"فى البلاغة العربية ص 8 ، و د/ بدوى طبانة في كتابه"البيان العربى"ص 174 ، وغيرهم ."
(3) سر الفصاحة 64-92 .
(4) المصدر السابق نفس الصفحة .