... ولا عبرةَ بما قالهُ أحدُ الباحثينَ من أنَّ هذا المؤلَّفَ"كان جديرًا به أن يسمى"سرُ البلاغةِ"بناءً على أفكارِ صاحبهِ فيه ، وموضوعاتِه التى ضمَّنَها إياهُ" [1] ؛ لأن الخفاجىَّ كان يُدركُ أن الفصاحةَ هى التى دارَ حوْلَها الخلافُ ملاحظًا ما شاعَ في بيئة المعتزلة منذ القرنِ الرابعِ الهجرىِّ من تعليلِ إعجازِ القرآنِ بفصاحتِه [2] ، كما أن ابن سنان"قد نوّهَ بفائدةِ الوقوفِ عليها في معرفةِ نظم الكلامِ ونقدِه ، وتبيين خصائصِه الجيدةِ والرديئةِ وفى معرفةِ بلاغةِ القرآنِ ... ، سواءً لمن يرى أن القرآنَ خرق العادةَ بفصاحتهِ ، ومن يرى أن العربَ صُرفوا عن معارضتهِ ، أمَّا الأولونَ فيتبينونَ وجهَ إعجازهِ وأما الثانونَ فيتحققونَ مما يَزْعُمُونَ" [3] .
... ولهذا كله جاء منهجُهُ خادمًا لغرضِه ، حيث مهَّدَ للحديثِ عن الفصاحةِ بعدةِ فصولٍ عن"الصوتِ والحرفِ والكلمةِ والكلامِ واللغةِ"، وهو يَعْرِضُ ذلك في سطورٍ قليلةٍ ، يقولُ:
"ونحن نذكُر قبل الكلامِ في معنى الفصاحةِ نُبَذًا من أحكامِ الأصواتِ والتنبيهُ على حقيقتِها ، ثم نذكُر تقطَّعها على وجهٍ يكونُ حروفًا متميزةً ، ونشيرُ إلى طرفِ من أحوال الحروفِ في مخارِجِها ، ثم ندلُّ على أن الكلامَ ما انتظمَ منها ، ثم نتبعُ ذلك بحالِ اللغةِ العربيةِ وما فيها من الحروفِ ، وكيف يقعُ المهمل فيها والمستعملُ ، وهل اللغة في الأصلِ مواضعةٌ أو توقيفٌ ، ثم نبينُ بعدَ هذا كلِّه وأشباهه مائية الفصاحةِ" [4] .
(1) مناهج البحث البلاغى د/ عبد السلام عبد الحفيظ ص 224 .
(2) راجع البلاغة تطور وتاريخ د/ شوقى ضيف ص 152 ، والمغنى في أبواب التوحيد والعدل جـ 16 ـ إعجاز القرآن ـ نشر وزارة الثقافة والإرشاد القومى ص 197 .
(3) البلاغة تطور وتاريخ ص 152 ، وسر الفصاحة ص 14 ، ومقدمة أسرار البلاغة ت د/خفاجى 60/1.
(4) سر الفصاحة ص 14 .