... هذا وقد أشار البحرانى إلى ما يُعرف بـ"لزوم ما لا يلزم"، وسماه"الإعنات"، وعرفه بقوله:"وهو التزام حرف قبل حرف الروى أو الردف من غير أن يجب ذلك في السجع" [1] ، كقوله تعالى: { فَأَمَّا الْيَتيمَ فَلا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } [2] . وقول علىّ ـ عليه السلام ـ ؛ في مدح النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"بَلّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِرًا ، وَنَصَحَ لأُمَّتِه مُبَذِّرًا" [3] .
... وقد ذكر"الإعنات"عند حديثه عن المحاسن العائدة إلى آحاد الحروف وشروط تركيبها .
... وتسميته بـ"الإعنات"مأخوذة عن ابن المعتز الذى أطلق عليه"إعنات الشاعر نفسه"، وقد عاب عليه أبو هلال تلك التسمية" [4] ."
... والبحرانى ـ كما هو واضح ـ لم يخص هذا النوع بالشعر ـ كما فعل ابن سنان ـ ، وإنما أدرك أنه يجرى في الشعر وفى النظم .
... وخلاصة القول في السجع بين البحرانى وابن سنان: ـ أن دراسة ابن سنان كانت أعمق وأجدى للبلاغة من البحرانى ، فقد عرف الأول السجع ، وبين آراء العلماء فيه ، وأبدى رأيه في مسألة"السجع في القرآن"، وذكر بعض أنواع السجع ، وعرض"للترصيع"، ولم يجعله خاصًا بالنثر ، كما فعل البحرانى ، بل استشهد له من الشعر ، وذكر للسجع شواهد عديدة ، من كلام الله عز وجل وكلام الرسول الكريم ، وكلام فصحاء العرب ، معلقًا على الشواهد ومحللًا ومبديًا رأيه ، لا يترك الشاهد يمر إلا وتظهر شخصيته فيه ، وقد وزع الشواهد بين الحسنة والقبيحة .
... أما البحرانى فلم تكن دراسته للسجع كدراسة ابن سنان ، فقد اكتفى بتقسيمه والاستشهاد له بشاهد أو شاهدين دون أى تعليق منه ، ولعله كان يعمد إلى ذلك .
(1) أصول البلاغة ص 42 .
(2) سورة الضحى ، آية: 9-10 .
(3) من قوله في ذهد الرسول (نهج البلاغة ص 162) ، ومقدمة شرح نهج البلاغة 73 .
(4) الإيضاح ت د/ خفاجى 115/6 .