"فإنا متى حمدنا هذا الجنس من السجع كنا قد وافقنا دليل من كرهه وعملنا بموجبه؛ لأنه إنما دل على قبح ما يقع من السجع بتعمل وتكلف ، ونحن لم نستحسن ذلك النوع ، ووافقنا ـ أيضًا ـ دليل من اختاره ؛ لأنه إنما دل به على حسن ما ورد منه في كتاب الله تعالى ، وكلام النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ والفصحاء من العرب ، وكان يحسن الكلام ويبين آثار الصناعة ، ويجرى مجرى القوافى المحمودة ، والذى يكون بهذه الصفات هو الذى حمدناه واخترناه ، وذكرنا أنه يكون سهلًا غير مستكره ولا متكلف" [1] .
... معنى ذلك: أن ابن سنان يوافق من استحسن السجع ؛ لأنه أراد السجع السهل غير المقصود في نفسه ولا متكلف ، ويوافق ـ أيضًا ـ من كره السجع ورفضه ؛ لأنهم يعنون السجع المتكلف الذى يذهب بطلاوة الكلام ، ويقصد لذاته . ويبدو أن هذا التمهيد من ابن سنان كان بغرض التعرض للسجع في القرآن وموقف العلماء منه .
... وقبل التعرض لموقف ابن سنان من ذلك ، أود أن أُشير إلى عبارة هامة للدكتور محمد أبو موسى في كتابه الموسوم بـ"الإعجاز البلاغى"، أرجح أن يكون قد تلقفها من كلام ابن سنان السابق ـ يقول سيادته:
"إن السجع الذى ينكر الباقلانى [2] وقوعه في القرآن ، هو بحق غير واقع في القرآن؛ لأن السجع عند الباقلانى"ما كان متكلفًا يتبع المعنى فيه اللفظ"، وهذا ليس في القرآن منه شيئ ، وأيضًا ـ"ما كان مستجلبًا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى"، وهذا ـ أيضًا ـ ليس في القرآن منه شيئ" [3]
... ويرجح الباحث أن يكون الدكتور أبو موسى قد بنى كلامه على رأى ابن سنان السابق .
(1) سر الفصاحة ص 171 ـ وراجع رأى ابن سنان في رسالة دكتوراه عنوانها"المشاهد في القرآن ـ دراسة تحليلية وصفية"د/ أحمد صادق قنيبى ص 277 .
(2) الإعجاز البلاغى د/ أبو موسى ص 195 ، وإعجاز القرآن للباقلانى ص 58 ، مجلة الدارة ع (2) السنة 19 ، ص 147 ، 148 .
(3) الإعجاز البلاغى د/ أبو موسى ص 195 .