فهذا البيت من الطباق القبيح الذى لم يرد لحسن معناه وسلامة لفظه ، بل لتكون في الشعر مطابقة فقط [1] .
ومن شواهد الطباق عند ابن سنان قول الفرزدق:
... لَعَنَ الإِلَهُ بَنِى كُلَيْبٍ إِنَّهُمْ ... ... لاَ يَغْدِرُونَ وَلاَ يُفُون لِجَارِ
... يَسْتَيْقِظُونَ إِلى نَهِيقِ حمارِهمْ ... ... وَتنامُ أعيُنُهمْ عن الأَوْتَارِ [2]
وهذا الشاهد مما ممثل به المتأخرون للطباق الجيد ، فقد جعلوه من لطيف الطباق ،"ففى البيت الأول تكميل حسن ، إذ لو اقتصر على قوله"لا يغدرون"لاحتمل الكلام ضربًا من المدح ، إذ تجنب الغدر قد يكون عن عفة ، فقال"لا يفون"؛ ليفيد أنه للعجز ، كما أن ترك الوفاء للؤم ، وحصل مع ذلك إيغال حسن ؛ لأنه لو اقتصر على قوله:"لا يغدرون ولا يفون"لتم المعنى الذى قصده ، ولكنه لما احتاج إلى القافية أفاد بها معنى زائدًا حيث قال"لجار"، لأن ترك الوفاء للجار ، أشد قبحًا من ترك الوفاء لغيره" [3] .
ومن ذلك قول طفيل الغنوى:
... بِسَاهِمِ الْوَجْهِ لَمْ تُقْطَعْ أَبَاجِلُه ... ... يُصانُ وَهْوَ لِيَوْم الرَّوْعِ مَبْذُولُ [4]
ويبدو أن ابن سنان الخفاجى"يرفض التفرقة بين الطباق والمقابلة ، ولعله كان على صواب حين رفض تلك التفرقة في قوله:"فأما تناسب الألفاظ من طريق المعانى... الخ" [5] "
ومما يدل على ذلك أنه استشهد للطباق الحسن بقول المتنبى:
(1) سر الفصاحة ص 201.
(2) البيت في البديع لابن المعتر وفى المثل السائر وفى الطراز مروىٌّ برواية"قبح الإله بنى كليب" (راجع البديع ت د/ خفاجى ص 129 ، المثل السائر 146/3 ، الطراز للعلوى ص 385 ) .
(3) بغية الإيضاح 6/4 .
(4) ساهم الوجه: متغيره ، والأبجل: عرق غليظ في الرجل أو في اليد ، (راجع العمدة لابن رشيق 6/2، وبديع ابن منقذ ص 36 ، وبديع ابن المعتز 129)
(5) فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور د/ رجاء عيد ص 220 ، وسر الفصاحة ص 191 .