... يقول ابن سنان:"فإنه إنما أراد أن يصف هذه المرأة بطول العنق ، فلو عبر عن ذلك باللفظ الموضوع له لقال ـ طويلة العنق ـ فعدل عن ذلك وأتى بلفظ يدل عليه وليس هو الموضوع له ، فقال ـ بعيدة مهوى القرط ـ فدل ببعد مهوى قرطها على طول الجيد ، وكان في ذلك من المبالغة ما ليس في قوله ـ طويلة العنق ـ ؛ لأن بُعد مهوى القرط يدل على طول أكثر من الطول الذى يدل عليه ـ طويلة العنق ـ ؛ لأن كل بعيدة مهوى القرط ، طويلة العنق لا العكس ، إذا كان الطول في عنقها يسيرًا وهذا موضع يجب فهمه" [1] . وهذا البيت جعله البلاغيون المتأخرون من الكناية عن صفة"طول العنق".
... ومن الكناية الحسنة التى ذكرها ابن سنان وأدرجها المتأخرون في الكناية عن موصوف [2] قول أبى عبادة:
... فَأَوْجَرْتُهُ أخْرى فَأَضْلَلْتُ نَصْلَهُ ... بِحَيْثُ يكونُ اللُّبُّ وَالرُّعْبُ وَالْحِقْدُ [3]
..."؛ لأنه أراد ـ القلب ـ فلم يعبر عنه باسمه الموضوع له ، وعدل إلى الكناية عنه ، بما يكون اللب والرعب ، الحقد فيه ، وكان ذلك أحسن ؛ لأنه إذا ذكره بهذه الكنايات ، كان قد دل على شرفه وتميزه عن جميع الجسد ، بكون هذه الأشياء فيه ، وأنه أصاب هذا المرمى في أشرف موضع منه ، ولو قال: أصبته في قلبه ، لم يكن في ذلك دلالة على أن القلب أشرف أعضاء الجسد ، فعلى هذا السبيل يحسن الإرداف" [4] .
ومنه قول عمرو بن معد يكرب:
... الضَّارِبين بِكُلِّ أبْيضَ مخْذمِ ... ... والَطّاعِنين مَجامِع الأْضَغْانِ [5]
(1) سر الفصاحة ص 230 بتصرف قليل .
(2) لم أعثر لابن سنان في كتابه على شاهد للكناية عن نسبة .
(3) البيت مروىّ برواية"فأتبعتها أخرى"راجع بغية الإيضاح 158/2 .
(4) سر الفصاحة ص 232 .
(5) راجع المطول ص 37 ط سنة 1298 ، وبغية الإيضاح 158/3 .