وكذلك تمضي هذه التجربة،فتضاف إلى رصيد أصحاب الدعوة الجدد،وإلى رصيد التصور الإيماني الصحيح،وتقرر - إلى جانب حقيقة الموت والحياة وردهما إلى اللّه - حقيقة أخرى هي التي أشرنا إليها قريبا.حقيقة طلاقة المشيئة،التي يعنى القرآن عناية فائقة بتقريرها في ضمائر المؤمنين به،لتتعلق باللّه مباشرة،من وراء الأسباب الظاهرة،والمقدمات المنظورة.فاللّه فعال لما يريد.وهكذا قال الرجل الذي مرت به التجربة: «فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ،قالَ:أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. [1]
ومن اللمحات البارزة في التوجيه الرباني لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يجهر - في مواجهة الإعراض والتكذيب والتحدي وبطء الاستجابة ووعورة الطريق - بالحق الذي معه كاملا وهو أنه لا إله إلا اللّه،ولا رب إلا اللّه،ولا معبود إلا اللّه،وأن اللّه هو الواحد القهار،وأن الناس مردودون إليه فإما إلى جنة وإما إلى نار ..وهي مجموعة الحقائق التي كان ينكرها المشركون ويتحدونه فيها ..وألا يتبع أهواءهم فيصانعها ويترضاها بكتمان شيء من هذا الحق أو تأجيل إعلانه! مع تهديده بما ينتظره من اللّه لو اتبع أهواءهم في شيء من هذا من بعد ما جاءه من العلم! ..
وهذه اللمحة البارزة تكشف لأصحاب الدعوة إلى اللّه عن طبيعة منهج هذه الدعوةالتي لا يجوز لهم الاجتهاد فيها! وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين،وألا يخفوا منها شيئا،وألا يؤجلوا منها شيئا ..وفي مقدمة هذه الحقائق:أنه لا ألوهية ولا ربوبية إلا للّه.ومن ثم فلا دينونة ولا طاعة ولا خضوع ولا اتباع إلا للّه ..فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أيا كانت المعارضة والتحدي وأيا كان الإعراض من المكذبين والتولي وأيا كان وعورة الطريق وأخطارها كذلك ..وليس من «الحمكة والموعظة الحسنة» إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجيله،لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه! أو يعرضون بسببه عن هذا الدين،أو يكيدون له وللدعاة إليه! فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمون شيئا من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه ولا أن يبدأوا مثلا من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي،متجنبين غضب طواغيت
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 547]