فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 221

رسالة فليحملها ملك أو مخلوق آخر.وهي شبهة جاهلة،مصدرها عدم الثقة بهذا المخلوق الذي استخلفه اللّه في أرضه،وهي وظيفة خطيرة ضخمة،لا بد أن يكون الخالق قد أودع في هذا الإنسان ما يكافئها من الاستعداد والطاقة،وأودع في جنسه القدرة على أن يكون من بينه أفراد مهيأون لحمل الرسالة،باختيار اللّه لهم،وهو أعلم بما أودع في كيانهم الخاص من خصائص هذا الجنس في عمومه.

وشبهة أخرى جاهلة كذلك.هي أنه إذا كان اللّه يختار رسولا،فلم لا يكون من بين هؤلاء الملأ الكبراء في قومهم،المتسلطين العالين؟ وهو جهل بالقيم الحقيقية لهذا المخلوق الإنساني،والتي من أجلها استحق الخلافة في الأرض بعمومه،واستحق حمل رسالة اللّه بخصوصيته في المختارين من صفوفه.وهذه القيم لا علاقة لها بمال أو جاه أو استطالة في الأرض،إنما هي في صميم النفس،واستعدادها للاتصال بالملأ الأعلى،بما فيها من صفاء وتفتح وقدرة على التلقي،واحتمال للأمانة وصبر على أدائها ومقدرة على إبلاغها ..إلى آخر صفات النبوة الكريمة ..وهي صفات لا علاقة لها بمال أو جاه أو استعلاء! ولكن الملأ من قوم نوح،كالملأ من قوم كل نبي تعميهم مكانتهم الدنيوية عن رؤية هذه الخصائص العلوية،فلا يدركون مبررا لاختصاص الرسل بالرسالة.وهي في زعمهم لا تكون لبشر.فإن كانت فهي لأمثالهم من الوجهاء العالين في الأرض! «ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا» ..

هذه واحدة ..أما الأخرى فأدهى: « وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا،بادِيَ الرَّأْيِ» !!

وهم يسمون الفقراء من الناس «أراذل» ..كما ينظر الكبراء دائما إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان! وأولئك هم أتباع الرسل السابقون غالبا لأنهم بفطرتهم أقرب إلى الاستجابة للدعوة التي تحرر الناس من العبودية للكبراء،وتصل القلوب بإله واحد قاهر عال على الأعلياء.ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر والترف،ولم تعوقها المصالح والمظاهر عن الاستجابة ولأنهم لا يخافون من العقيدة في اللّه أن تضيع عليهم مكانة مسروقة لغفلة الجماهير واستعبادها للخرافات الوثنية في شتى صورها.وأول صور الوثنية الدينونة والعبودية والطاعة والاتباع للأشخاص الزائلة بدلا من الاتجاه بهذا كله للّه وحده دون شريك.فرسالات التوحيد هي حركات التحرير الحقيقية للبشر في كل طور وفي كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت