مستفعلاتن مستفعلاتن، وكأنهم يلتزمون حذف السين من الجزء الثاني لأن السواكن في كل وزن إذا توالى منها أربعة ليس بين كل ساكن منها وساكن إلا حركة تأكد حذف الساكن الثالث وحسن الوزن بذلك حسنًا كثيرًا [1] "."
وقد مثل لهذا الوزن من قول بعض الأندلسيين:
وحيّ عنيّ إن فزت حيًّا ... أمضى مواضيهم الجفونُ
وقول أبي بكر بن مجبر:
إنْ سلّ سيفًا بناظريه ... لم تَرَ فينا إلا قتيلا
وقال:"فمثل هذه النون من قوله (إن فزت) مقبولة في الذوق وإن كان حذفها أخف" [2] .
ومع أن المعري لم يكن من دعاة التغيير في نظام الخليل العروضي، أو لم يشأ أن يكون صاحب مذهب مستقل كالجوهري والقرطاجني مثلا؛ فإنه ظل محتفظًا بنهج خاص به في النظرة إلى الأوزان وما يعتورها من الزحاف، وكان له ذوقه السليم في تحسس ما حسن من الوزن أو ما قبح. وكان له إلى جانب ذلك توسع في الاستقراء هيأ له معرفة ما يطرد من الظواهر في الوزن وما يشذ. ولذلك فإن المعري حين درس هذا الوزن عند المتنبي اكتفى بالإشارة إلى أنه"لا يقبح فيه خبن السباعي ولا طيه، وتنفر الغريزة من خبن الخماسي [3] ". وهو ينظر في ذلك إلى تجزئة الخليل له، وهي:
مستفعلن فاعلن مفعولن
لكنه لم يحاول أن تبين السبب في نفور الغريزة من خبن الخماسي (فاعلن) وكان ذلك شأنه دائمًا في كل ملاحظاته العروضية المبثوثة في كثير من مؤلفاته، وحتى الشعرية منها.
أما د. أحمد كشك فيطرح تفسيرًا لعدم خبن الخماسي يستند فيه إلى ما أسماه"فاعلية الاستعمال"؛ فهذه الفاعلية"أباحت في أطر البسيط أن تراوح بين استخدام (فاعلن) و (فَعِلن) وهذا ما سمح به النظام حين ثبت قبول المزاحفة على سواكن الأسباب؛ ولما أرادت إفراد إيقاع للمخلّع"
(1) منهاج البلغاء ص 238.
(2) منهاج البلغاء ص 239.
(3) أوزان المتنبي وقوافيه ص 312.