الصفحة 8 من 94

بسم الله الرحمن الرحيم

وضع الخليل بن أحمد نظريته في العروض العربي، وجعلها"ميزانًا للشعر بها يعرف صحيحه من مكسوره [1] ". غير أنه لا الوحدات التي وُزِن بها الشعر، ولا القواعد التي أرساها للوزن استطاعت أن تميّز بين ما يطّرد في النظم وما لا يطّرد؛ وبمعنى آخر، لم تُعنَ هذه النظرية بتحديد الفروق التي تميز جيد النظم من رديئه.

وقد حاول كثير من العروضيين سدّ هذا النقص بالإشارة إلى الحَسَن والصالح والقبيح من الزحاف في كل وزن على حدة؛ إلا أنهم وقفوا في ذلك عند حد التقدير الشخصي، ومعظمه غير مقبول، ولم يحاول أحد منهم وضع معيار موضوعي يكتسب صفة العمومية في هذا التمييز.

وربما كان الأخفش هو الوحيد الذي يستثنى من بين هؤلاء بمحاولته وضع قاعدة عامة لتحديد ما يحسُن من الزحاف، وذلك من خلال فكرة اعتماد السبب على الوتد بعده. إلا أن هذه القاعدة تصبح موضع خلاف حين تطبق على بحور كالطويل والبسيط وغيرهما، ثم إن من الزحاف المستحسن ما قد يكون في السبب الذي لا يعتمد على وتد مثلًا.

ومن هنا جاءت فكرة محاولة تطوير نظرية العروض العربي بحيث تصبح أقدر على وصف ما اطرد في النظم، وما طاب في الذوق من أوزان. وقد كان للملاحظات السديدة للمعري في تحديده لما يطّرد من النظم وما لا يطّرد ـ بالنظر إلى سعة استقرائه للشعر من جهة، وسلامة ذوقه الإيقاعي من جهة أخرى ـ أكبر الأثر في استلهامي لقواعد النظم، وثقتي من ثم بعمومية تطبيقها.

إن الفترة الزمنية التي تفصلنا عن عصر المعري تمتد إلى عشرة قرون؛ ومع ذلك فحين نقرأ رسالته إلى النُكَتي البَصْري [2] نحسبه يتحدث إلى أحد الشعراء المعاصرين اليوم، وحين نرجع إلى دراسته لأوزان المتنبي وقوافيه [3] نستطيع بيسر، وبمجرد تغيير الشواهد فقط، أن نجعلها دراسة لأوزان شاعر كشوقي مثلًا.

وكلي أمل في أن يضيف هذا البحث جديدًا إلى نظرية العروض العربي وفاء لذكرى مؤسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي.

(1) الكافي في العروض والقوافي للتبريزي: 17.

(2) وردت في رسائل أبي العلاء.

(3) من تحقيق الدكتور السعيد السيد عبادة، مجلة كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى، ع 1، 1401 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت