ولو قال الخليل إن نقرة السبب الخفيف تختلف في إيقاعها عن نقرة السبب الثقيل التي تبيح ظهور الحركة على ثانيه، مما لا يكون في الخفيف، لكان أكثر انسجاما في وصفه، ولجعل منهما وحدة واحدة في الأصل، مع جعل الثقل نوعا من الزحاف الملتزم إذا أراد أن يفرق بين بحرين كالهزج والوافر أو الرجز والكامل.
ومع ذلك فلم يلتزم الشعراء دائما بالتثقيل في السبب، وورد عنهم ما يدل على الخلط بين البحور التي ذكرناها. وقد حسم الخليل مسألة التمييز بين هذه البحور المختلطة بالنظر إلى ظهور ما يدل على السبب الثقيل؛ فإن كانت القصيدة تبدو من الرجز، وقد أتممت من قراءتها على هذا الإيقاع تسعة وتسعين بيتا وجاء البيت الذي يكمل المائة بسبب ثقيل فيه، فالقصيدة كلها عند الخليل من الكامل. فهل معنى ذلك أن إيقاع الرجز هو ذاته إيقاع الكامل في تسعة وتسعين بالمائة من أبياته؟ وهو ما لانظنه، أم أن المسألة تعني اختلافا في الإيقاع تدركه الأذن المدربة ولكن الخليل تخلص من طرحها على هذا النحو بتقريره التحكمي.
والأمر نفسه ينطبق على الإيقاع بين الهزج والوافر. غير أن الخليل ربما لم يلتفت إلى هذه الظاهرة من الخلط في بحر السريع، وخاصة في عروضه التي وزنها:
مستفعلن مستفعلن فَعِلن
ومنها قول المرقش [1] :
هل بالديار أنْ تُجيب صَمَمْ ... لو كان رسْمٌ ناطقًا كَلّمْ
وعدة أبياتها خمسة وثلاثون بيتا، جاء فيها بالسبب الثقيل في ثلاثة أبيات هي حسب ترتيبها في المفضليات:
18 -... ما ذنبنا في أن غزا مَلِكٌ ... مِن آلِ جَفْنةَ حازِمٌ مُرغِمْ
21 -... بيضٌ مَصاليتٌ وجوههمُ ... ليست مياهُ ِبحارِهم بِعَمَمْ
34 -... والعَدْوُ بين المَجلِسينِ إذا ... ولّى العَشِيّ وقد تَنادى العَمْ
ولم يقل الخليل إن هذه القصيدة يجب أن تعد من الكامل في عروضه الثانية بضربيها، انسجاما مع حكمه في التفريق بين الرجز والكامل أو الهزج والوافر، بل إنه استشهد بأحد أبياتها على ضرب من السريع متناسيا حكمه السابق.
والخلاصة في مسألة الوحدات الوزنية، وهي عند الخليل أربع وحدات هي: السبب الخفيف والثقيل والوتد المجموع والمفروق، أن من الممكن إقامة النظام العروضي على وحدتين منها هما: السبب الخفيف، مع الإشارة إلى
(1) المفضلية رقم 53 بشرح اختيارات المفضل: 2/ 1054 - 1068.