والخفيف. فأما المنسرح فشاهده الذي فيه تأكيد لسبب يلي وتده المفروق هو قوله:
مَنازِلٌ عَفاهُنّ بِذي الأرا ... كِ كلّ وابلٍ مُسْبِلٍ هَطِلِ
وهو شاهد واضح الصناعة، بدليل خبن كل أجزائه ما عدا الضرب، وهو ما لا يُتصوّر وروده إلا موضوعا بقصد توضيح زحاف الخبن فيه. وقد نغض النظر عن الزحاف في قوله (عفاهن) ، وأما قوله (بذي الأرا) ففي أوله سبب مزاحف عند الخليل ليتأكد به الزعم بوتد مفروق قبله.
وقد حاولت أن أجد أمثلة على هذا المنوال فلم أعثر على بيت يوافقه. وأما الخفيف فجاء فيه الخليل أيضا بهذا الشاهد:
يا عُمَير ما تُظهِر من هواكَ ... أو تُجِنّ يُستكثَر حين يبدو
وهو مثال موضوع لبيان الكف في أجزائه؛ ولكن أغرب ما فيه أن يستدل منه على سببية العنصر التالي لوتد الخليل المفروق.
وقد تعرض الأخفش لمثل هذا الزحاف ولم يكن منكرا للوتد المفروق، وإنما لندرة الزحاف في السبب بعده. قال:"ولم نجد ذهاب نون مستفعلن إلا في شعر لابن الرُقيّات وزعموا أنه كان سبق اللحن، فمن جعله إماما جوز حذف نونها. ومن لم يجعله إماما لم يجوز حذف ذلك، قال:"
يَتّقي الله في الأمور وقد أفـ ... ـلَحَ من كان همه الاتّقاء
لام الاتقاء مكسور، وليس في همه واو بعد الهاء. ويجوز أن لا يكون في هذا البيت زحاف على وجهين: أما وجه، فقطع ألف الوصل وهو ضعيف. والوجه الثاني أن تثبت الواو؛ لأن الحرف الذي بعدها قد تحرك، وإنما كانت تسقط لسكونه [1] .
فإذا كان لا يوجد نظير لشاهد الخليل إلا بيت مشكوك في إمامة قائله، وفي طريقة قراءته التي تترجح على سلامته من الزحاف، تأكد لنا أن شاهد الخليل موضوع لغرض التمثيل على زحاف مصطنع.
ونعود إلى السبب، وهو عند الخليل حرفان، فإذا كان ثانيه ساكنا سمي خفيفا، وإن كان ثانيه متحركا سمي ثقيلا؛ أي أن الفرق بينهما هو في زيادة الحركة على ثانيه.
ومع أن السبب الخفيف والثقيل كلاهما يفقد ثانيه بالزحاف عند الخليل، كما أن ثاني الثقيل يسكن فلا يكون بينه وبين الخفيف من فرق يذكر في توالي حروفه؛ إلا أن الخليل يصر على أن كلا منهما وحدة زمنية مستقلة بذاتها، وذلك أن معيار الفصل بينهما هو ظهور الحركة على ثاني السبب.
(1) كتاب العروض للأخفش: 160.