وقفاته الموسيقية، أو إطالته لزمن بعض المقاطع مما لا يكون مقبولا في الإنشاد أو القراءة العادية للشعر.
ونحن لا نعني بهذا الغناء ذلك النوع البدائي الذي كان سببا في نشأة الأوزان؛ لأننا نعتقد أنه كان أبسط كثيرا وأقرب في نغمته إلى الإنشاد نوعا ما، وإنما نعني الغناء المتطور مع الحضارة والمتأثر بتيارات من خارج الجزيرة العربية جعلته يعتني يإيقاعات جديدة لم تكن مألوفة أو مطروقة من قبل.
ومن المؤكد أن السبب في نشأة الأوزان الجديدة والمعقدة بعض الشيء لما سمي بالموشحات يرجع إلى التطور الكبير في الغناء وما صاحبه من إمكانيات في تجويده. ولكن ظلت هذه الأوزان حبيسة اللحن الخاص بكل منها ولم تكتسب سيرورة في النظم كما اكتسبته الأوزان القديمة؛ لأنها لم تملك القدرة على تبسيط أدائها وجعله يُتناقَل عبر الإنشاد.
ويتميز الشعر العربي بخاصية فريدة في إيقاعه، وهي أنه يعتمد في نَظْمه على نوعين من النقرات: يسمى الأول سببًا والثاني وتدًا. ولما كان النظام المقطعي في العربية مبسطًا للغاية، وكان معظم الاستخدام اللغوي منصبًا على عدد محدود من أشكاله المقطعية، فإن دور النقرات يصبح كبير الأهمية في جعل المقاطع يتميز بعضها من بعض برنين إيقاعي خاص لكل منها تبعا لنوع هذه النقرات، ومقدار ما تحمله من شحنة إيقاعية.
وكان الخليل قد أقام نظامه العروضي على أساس من هذه النقرات؛ ولكنه ميّز فيه بين نوعين من السبب، فجعل كلا منهما وحدة وزنية قائمة بذاتها، وسمى الأول خفيفا والثاني ثقيلا. ومع أن في هذه التسمية ما يشعر بأن الخليل مدرك للطبيعة الإيقاعية للنقرات؛ إلا أنه حين يتجه إلى تحليل النقرات الثابتة ليحدد من خلالها الوتد، يجد نفسه مضطرا إلى تمييز نوعين منه كذلك، وهو يسمي أحدهما مجموعا والآخر مفروقا، ولا بد أنه التفت في هذه التسمية إلى موقع المتحركين من الساكن في الوتد، فإذا كان تاليا لهما انفسح بذلك المجال لاجتماعهما، وإن وقع بينهما افترقا [1]
والخليل يقرر أن في السبب خاصية لا تفارقه إلا نادرا، وهي أنه عرضة للتغير في ثانيه سقوطا أو سكونا. ويبدو أن هذه الخاصية المفترضة ظلت هاجسا يلازم الخليل في محاولته الدؤوب لإيراد شواهد لم يدل أحدا على نسبتها ـ ودعك من قبح وزنها ـ لينفي أي احتمال لوقوع الوتد المجموع بعد ثلاثة أسباب متوالية. فإذا توالى سببان كان حتما عند الخليل أن يكون الوتد ثالثهما، فإن لم يكن الوتد هنا مجموعا فلا بد أن يكون مفروقا. ولكي يؤكد الخليل هذا الزعم نجده يحرص على إيراد شاهد مجهول النسبة يكون فيه العنصر التالي للوتد المزعوم سببا بدلالة سقوط ثانيه.
ولن نعرض للوتد المفروق في بحر السريع فهذا بين الوهم، وقد عرض له غير واحد من الباحثين؛ ولكننا سنعرض للوتد المفروق في بحري المنسرح
(1) انظر الإرشاد الشافي: 32.