الصفحة 26 من 94

بعض الصوامت كالهاء والكاف حين يدل الأول على التأنيث أو يكونان من الضمائر. فمن ذلك قول المتنبي مما لا شذوذ فيه، وهو من المنسرح:

لا تحسبوا رَبعَكُم ولا طَلَله ... أوّلُ حَيّ فِراقُكم قَتَله

قد تَلِفَت قبلَه النفوس بكم ... وأكثرت في هواكم العَذَلة

والفتح واضح في صوت الهاء حيث يخرج النَفَس بقدر من الحرية عند النطق بها في الوقف. لكن الكاف لا يمكن أن توصف إلا بالإغلاق وذلك أن النَفَس ينحبس عند النطق بها، ومع ذلك يمكن تلمّس قربها من أصوات المد أو الهاء في أنها مثلهن شائعة بوصفها ضمير مخاطب متصل. ومن هذه الزاوية يمكن الدفاع عن بيتين لابن الرومي يرى فيهما المعري وإبراهيم أنيس ثقلًا ناجمًا عن التقييد فيما يجب فيه الإطلاق [1] . قال ابن الرومي (من الوافر) :

أبا عثمانَ أنت قَريعُ قَومِكْ ... وجُودكَ للعَشيرة دون لومِكْ

تمتّع من أخيك فما أراه ... يراك ولا تراه بعد يومكْ

القافية:

وهي ظاهرة صوتية تتردد في نهايات الأبيات عند الوقف التام، ويؤدي الالتزام بها إلى تحديد حركة الأسباب والأوتاد في الضرب بحيث تجمد عند صورة معينة لا تفارقها إلا بالقدر الذي تسمح به القافية. ولو لم يكن للقافية مثل هذا الدور في تثبيت صورة الضرب لقل عدد الضروب التي أثبتها الخليل. ولو رجعت إلى القصائد التي ينوع أصحابها في القافية لوجدت ضروبها تختلف مع أنها لا تخرج عن وحدة الوزن سواء كان ذلك على النمط المقيد أو الحر من النظم.

والقافية، تحديدًا، هي صوت الرويّ وما قد يليه من أصوات مع نوع الصوت الذي يسبقه، ولنسمّه ـ توسّعًا في المصطلح ـ الرِدْفَ. وهذا الردف إذا كان حركة قصيرة، وكان ثاني صوت يسبقه ألِفَ مدّ، التُزِم هذان الصوتان بعينهما، وليس بنوعهما فقط، وتسمّى هذه الألفُ ألفَ التأسيس.

وإذن فكل الأصوات التي ذكرناها في القافية تلتزم بعينها إلا صوت الردف حين لا تكون القافية مؤسسة، وكل ما يخالف هذا التحديد يدخل في باب عيوب القافية التي أفاض العروضيون في ذكرها. فمن ذلك الإقواء والإصراف، وهما اختلاف حركة الروي، ومثاله الذي اشتهر في قول النابغة:

(1) انظر موسيقى الشعر: 291.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت