وقد قال ابن القيم في كتاب الروح: وأما قراءة القرآن وإهداؤها إلى الميت تطوُّعا بغير أجر فهذا يصل إليه، كما يصل إليه ثواب الصوم والحج، فكما أن ثواب الصوم والحج عنه يصل إليه، وهما لا يكونانِ حال الزيارة، كذلك يصل إليه ثواب القراءة مطلقًا، سواء كانت عند القبر أو بعيدة عنه، ويُؤيد هذا ما سبق نقله عن كثير من الفقهاء.
وقوْل ابن القيم في"زاد المعاد"في باب الجنائز: إن قراءة القرآن للميت عند القبر أو غيره بدْعة مكروهة، يُنافي ما ذكره نفسه في كتاب"الروح"وما ذكره غيره من الفقهاء خلَا أبا حنيفة الذي رُوي عنه القول بكراهة القراءة عند القبر؛ أيْ كراهة تنزيهية، وقد علمتَ أن المختار عند الحنفية عدم الكراهة عنده. والذي ينبغي التعويل عليه ما ذكره في كتاب"الروح"وذكره غيره.
وأيُّ فرقٍ بين قراءة القرآن له، وبين الصلاة والصوم والحج، والدعاء والاستغفار له، وكلها طاعات يُرجَى من الله أن يجعل ثوابها للميت إذا جعلها الفاعل له، ولا حرج على الله في فعله وفضله، ومنه الجُود والإحسان.
وجُملة القول في الزيارة أنه يجب اتباع هدْي النبوَّة فيها، والتأدُّب بآدابها المَسنونة، وتجريدها من المآتم والبدع المُنكرة، حتى تقع في موقعها الشرعي. والله أعلم.
اللهم اجعلنا مِن الذين يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وفَقِّهْنَا في الدين، ولا تحرمنا أجر العاملين، واهدنا الصراط المستقيم. وصلِّ وسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين.
تَمَّ بعونه ـ تعالى ـ وتوفيقه تحرير هذه الفتوى وما أُلحق بها في يوم الجمعة13 من شوال سنة 1366هـ"29 من أغسطس سنة1947 م"بالقاهرة.
ثم زِيد فيها زيادات هامة مع تنسيق مُحْكم، وتمَّت بفضل الله ـ تعالى ـ وتوفيقه يوم الجمعة يوم عرفة تاسع ذي الحجة سنة: 1387هـ"8 مارس سنة: 1968م". بيد الفقير إلى عفْو مولاه الرءوف.
... ... ... ... ... ... ... حسنين محمد مخلوف