فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 797

فيجب أن يُمكَّن (أطباء هذه المؤسسة) من القيام بهذه المهمة الإنسانية الجليلة، وعلاج عيون الأحياء بعيون الموتى الصالحة لذلك، كشفًا للضرر عنهم، ولا يمنع ممن ذلك ما يُرى فيه من انتهاك حرمة الموتى، فإن علاج الأحياء من الضرورات التي يُباح فيها شرعًا ارتكاب هذا المحظور.

هذا بتسليم أنه انتهاك لحرمة الموتى، ولكن من القواعد الشرعية أن (الضرورات تُبيح المحظورات) ولذا أُبيحَ عند المخمصة أكل الميتة المحرَّمة، وعند الغُصّة إساغة اللقمة بجرعة من الخمر المحرمة إحياء للنفس إذا لم يوجد سواهما مما يَحل، وجاز دفع الصائل ولو أدى إلى قتله، وجاز شق بطن الميِّتة لإخراج الولد منها إذا كانت حياته تُرجَى، بل قيل بجواز شق بطن الميت إذا ابتلع لؤلؤة ثمينة أو دنانير لغيره.

وإباحة المحظورات تقديرًا للضرورات قاعدة يقتضيها العقل والشرع، وفي الحديث:"لا ضرر ولا ضرار"وقد بُني عليها كثير من الأحكام، ولذا قال الفقهاء:"الضرر يزال"فعملًا بهذه القاعدة يجوز نزع عيون بعض الموتى مع ما فيه من المساس بحرمتهم لإنقاذ عيون الأحياء من مضرة العمى والمرض الشديد.

ومن القواعد العامة أن الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، ولذا أجاز الفقهاء بيع السَّلَم مع كونه بيع المعدوم دفعًا لحاجة المفلسين، وأجازوا بيع الوفاء دفعًا لحاجة المدينين.

ولا شك أن حاجة الأحياء إلى العلاج ودفع ضرر الأمراض وخطرها بمنزلة الضرورة التي يباح من أجلها ما هو محظور شرعًا، والدين يسر ولا حرج فيه، قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدينِ من حرجٍ) على أنه إذا قارنّا بين مضرة ترك العيون تفقد حاسة الإبصار ومضرة انتهاك حُرمة الموتى نجد الثانية أخف ضررًا من الأولى، ومن المبادئ الشرعية أنه"إذا تعارضت مفسدتان دُرِئَ أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما ضررًا. ولا شك أن الإضرار بالميت أخف من الإضرار بالحي."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت