أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا والله يغفر له (1) ، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربًا فلم أر عبقريًا يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن (2) ، وهذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعمر رضي الله عنه تضمنها قوله - صلى الله عليه وسلم: فجاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربًا… الحديث ومعنى: استحالت صارت وتحولت من الصغر إلى الكبر وأمّا (( العبقري ) )فهو السيد وقيل: الذي ليس فوقه شيء ومعنى (( ضرب الناس بعطن ) )أي أرووا إبلهم ثم آووا إلى عطنها وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح وهذا المنام الذي رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - مثال واضح لما جرى للصديق وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما فقد حصل في خلافة الصديق قتال أهل الردة وقطع دابرهم وأشاع الإسلام رغم قصر مدة خلافته فقد كانت سنتين وأشهرًا فوضع الله فيها البركة وحصل فيها من النفع الكثير ولما توفي الصديق خلفه الفاروق فاتسعت رقعة الإسلام في زمنه وتقرر للناس من أحكامه ما لم يقع مثله فكثر انتفاع الناس في خلافة عمر لطولها فقد مصر الأمصار ودون الدواوين وكثرت الفتوحات والغنائم.. ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم: فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريه: أي لم أر سيدًا يعمل عمله ويقطع قطعه ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم: حتى ضرب الناس بعطن، قال القاضي عياض ظاهره أنه عائد إلى خلافة عمر خاصة وقيل: يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر جميعًا لأن بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح المسلمين تم هذا الأمر (( وضرب الناس بعطن ) ). لأن أبا بكر قمع أهل الردة وجمع شمل المسلمين وألفهم وابتدأ الفتوح ومهد الأمور وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (3) .
(1) والله يغفر له: هذه عبارة ليس فيها تنقيص لأبي بكر وإنما كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم.
(2) مسلم رقم 2393 .
(3) شرح النووي (15/161-162) .