لم يكن ذلك الموقف من الفاروق شكًّا أو ريبة فيما آلت إليه الأمور، بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًّا على إذلال الكفار، لما عرف من قوته في نصرة الإسلام (1) ، وبعد ما تبينت له الحكمة قال عن موقفه بالحديبية: ما زلت أتصدق، وأصوم، وأصلي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا (2) .
وفي شعبان سنة 7 من الهجرة بعث رسول الله عمر بن الخطاب إلى تربة في ثلاثين رجلًا إلى عُجزِ (3) هوازن بتربة وهي بناحية القبلاء (4) ، على أربع مراحل من مكة (5) ، فخرج، وخرج معه دليل من بني هلال (6) ، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالهم فلم يلق منهم أحدًا فانصرف راجعًا إلى المدينة رضي الله عنه (7) وفي رواية: قال له الدليل الهلالي: هل لك في جمع آخر تركته من خَشْعَمَ سائرين قد أجدبت بلادهم؟ فقال عمر: لم يأمرني رسول الله بهم، إنما أمرني أن أعْمَدَ لقتال هوازن بتُربة (8) ، وهذه السرية تدلنا على ثلاث نتائج عسكرية:
الأولى: أن عمر أصبح مؤهلًا للقيادة إذ لولا ذلك لما ولاه النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - قيادة سرية من سرايا المسلمين تتجه إلى منطقة بالغة الخطورة وإلى قبيلة من أقوى القبائل العربية وأشدها شكيمة.
(1) صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق ص191 .
(2) مختصر منهاج القاصدين ص293 ، فرائد الكلام للخلفاء ص139 .
(3) العجز: مؤخَّر الشيء.
(4) في الأصل (( الفلا ) )وهو تحريف.
(5) تربة: واد يقع شرق الحجاز يصب صوب عالية نجد.
(6) هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.
(7) الطبقات لابن سعد (3/272) .
(8) السيرة النبوية لابن هشام (2/228) أخبار عمر ص34.