من صفات الفاروق الجهادية: علو الهمة، وعدم الصغار، والترفع عن الذلة حتى ولو بدت الهزيمة تلوح أمامه، كما حدث في غزوة أحد، ثانية المعارك الكبرى التي خاضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعند ما وقف أبو سفيان في نهاية المعركة وقال أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تجيبوه فقال أفي القوم ابن أبي قحافة، فقال لا تجيبوه فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء القوم قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: أعل هبل (1) ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أجيبوه. قالوا ما تقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: أجيبوه قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مُثلة لم آمر بها ولم تَسُؤني (2) ، وفي رواية قال عمر: ( لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار(3) . فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر، لقول ابن قمئة لهم: إني قد قتلت محمدًا (4) . كان في سؤال أبي سفيان عن رسول الله وأبي بكر وعمر دلالة واضحة على اهتمام المشركين بهؤلاء دون غيرهم لأنه في علمهم أنهم أهل الإسلام وبهم قام صرحه وأركان دولته وأعمدة نظامه، ففي موتهم يعتقد المشركون أنه
(1) أعل هبل: ظهر دينك.
(2) البخاري، المغازي، رقم 404، السيرة الصحيحة (2/ 392) .
(3) السيرة النبوية الصحيحة (2/ 392) .
(4) صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق ص 189.