وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحًا ومساء: أن يرزقه الشهادة وألا يرد إلى بلده، ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا همٌ فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده وإنما همنا ما أمامنا. وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السّعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا لأنفسنا منها أكثر مما نحن فيه فانظر الذي تريد، فبيّنه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منكم، ولا نجيبكم إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين؛ وهو عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل إلينا؛ إما إن أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا وكان أخانا في دين الله، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحلَّ أذاكم ولا التعرض لكم. وإن أبيتم إلا الجزية، فأدُّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على بشيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدًا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم، إذا كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد الله علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن آخرنا أو نصيب ما نريد منكم هذا ديننا الذي ندين الله تعالى به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم فقال المقوقس: هذا مما لا يكون أبدًا، ما تريدون إلا تتخذونا عبيدًا ما كانت الدنيا. فقال له عبادة: هو ذاك، فاختر ما شئت. فقال المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاثة؟ فرفع عبادة يديه، وقال: لا، ورب السماء ورب هذه الأرض ورب كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها فاختاروا لأنفسكم. فالتفت