خطب عمر رضي الله عنه بالجابية، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في مثل مقامي هذا فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئُ قوم يحلف أحدهم على اليمين قبل أن يُسْتَحْلَف عليها، ويشهد على الشهادة قبل أن يُستشهد، فمن أحب منكم أن ينال بُحْبُوحة الجنة، فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ومن كان منكم تسرُّه حسنته وتسوؤه سيئته فهو مؤمن (1) .
ح- غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة:
لما قدم عمر الشام قال لأبي عبيدة رضي الله عنه: اذهب بنا إلى منزلك، قال:
وما تصنع عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ، قال: فدخل فلم ير شيئًا، قال: أين متاعك؟ لا أرى إلا لَبَدًا وصحفة وشنًا (2) ، وأنت أمير أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة (3) ، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: قد قلت لك إنك ستعصر عينيك عليّ، يا أمير المؤمنين يكفيك ما يُبلغُك المقيل، قال عمر: غيَّرتنا الدنيا كلّنا غيرك يا أبا عبيدة (4) وعلق الذهبي على هذه الحادثة فقال: وهذا والله هو الزهد الخالص لا زهد من كان فقيرًا معدمًا (5) ، وجاء في رواية عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قدم عمر -رضي الله عنه- الشام، فتلقاه أمراء الأجناد، وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح، قالوا: يأتيك الآن، فجاء على ناقة مخطومة بحبل فسلم، عليه، فسأله ثم قال للناس: انصرفوا عنا فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه، وترسه، ورحله (6) …
(1) مسند أحمد الموسوعة الحديثية رقم 177 حديث صحيح ورجاله ثقات.
(2) اللَّبد السرج والشنّ القربة القديمة.
(3) الجونة: السلة.
(4) سير أعلام النبلاء (1/17) .
(5) المصدر نفسه (1/17) .
(6) محض الصواب (2/589، 590) إسناده صحيح إلى عروة.