العودة إلى الحق: إذا أصدر القاضي حكمًا في قضية من القضايا ثم تغير اجتهاده في الحكم فيها، فلا يجوز له أن يجعل للاجتهاد الجديد أثرًا رجعيًا، فينقض به الحكم الذي أصدره قبل تغير اجتهاده، كما لا يجوز لقاضٍ بعده أن ينقض الحكم الصادر، فعن سالم بن أبي الجعد قال: لو كان علي طاعنًا على عمر يومًا من الدهر لطعن عليه يوم أتاه أهل نجران، وكان علي كتب الكتاب بين أهل نجران وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكثروا على عهد عمر حتى خافهم على الناس، فوقع بينهم الاختلاف، فأتوا عمر فسألوه البدل، فأبدلهم، ثم ندموا، ووقع بينهم شيء فأتوه فاستقالوه، فأبى أن يقيلهم، فلما ولي عليّ أتوه فقالوا: يا أمير المؤمنين شفاعتك بلسانك وخطك بيمينك، فقال علي: ويحكم إن عمر كان رشيد الأمر (1) ، فعمر رضي الله عنه رفض نقض القضاء الأول الذي قضاه فيهم، ورفض علي - من بعد عمر - نقض القضاء الذي قضاه عمر فيهم (2) ، وقد حدث كثير من التغير في اجتهاد عمر في قضايا كثيرة، منها الحكم في الجد مع الإخوة، وإشتراك الإخوة لأب وأم مع الاخوة لأم في الثلث عندما لم يبق للإخوة لأب وأم من الميراث شيء، ولم ينقل أنه عاد إلى قضائه الأول فنقضه، ولكنه يعمل باجتهاده الجديد في القضايا المستقبلة، ولا يمنعه حكمه القديم من اتباع الحق إذا لاح له، فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، ولا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل (3) ، وبناء على ذلك فقد قضى عمر بن الخطاب في الجد بقضايا مختلفة، وقضى في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخويها لأبيها وأخويها لأمها، فأشرك عمر بين الأخوة للأم والأب والأخوة لأم في الثلث فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام
(1) سنن البيهقي (10/ 120) موسوعة فقه عمر ص728.
(2) موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص728.
(3) أعلام الوقعين (1/ 85) .