فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 661

إن الفاروق رضي الله عنه وضع دستورًا قويمًا في نظام القضاء والتقاضي، وقد اهتم كثير من أعلام الفقه الإسلامي بشرح هذا الدستور والتعليق عليه، ونجد الدستور العمري في القضاء في رسالته لأبي موسى الأشعري وهذا نص الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن لخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس (1) ، سلام عليك، أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آسِ (2) بين الناس في وجهك وعَدْلِكَ ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك (3) ، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرّم حلالًا، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه عَقْلَكَ، وهُدِيتَ فيه لرشدك: أن ترجع إلى الحقِّ، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التّمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعْرِف الأشباه والأمثال، فقس الأمور عند ذلك واعْمد إلى أقربها إلى الله، وأشبهها بالحقِّ واجعل لمن ادّعى حقًا غائبًا أو بينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بيِّنته أخذت له بحقه وإلا استحْللت (4) ،عليه القضيّة، فإنه أنفى للشك، وأجْلى للعَمَى، المسلمون عدول (5) ، بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدِّ، أو مُجرّبًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السَّرائر، ودرأ (6) بالبينات والأيمان، وإياك والغلق (7) ، والضجر والتأذي للخصوم، والتنكر عند الخصومات فإن القضاء في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويحسن به الذُّخر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس،

(1) عبد الله بن قيس هو أبو موسى الأشعري.

(2) أسى بينهم: سوُى

(3) حيفك: ظلمك.

(4) استحللت: سأله أن يُحِله له.

(5) عُدول: هو المستقيم في أمره.

(6) درأ الشيء: دفعه.

(7) الغلق: ضاق صدره وقلّ صبره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت