إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادى وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا ما أطلوا لها استشرفوا شهواتها، فنكلت بهم واستبدت، وذاك ما حذرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه (1) ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم (2) ، لقد أبصر أبو بكر الداء فأتى لهم رضي الله عنه بدواء ناجح … جبل شاهق، إذا ما رأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: إيها يا بن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك (3) . إن الأحداث الجسام التي مرت بالأمة، قد بدأت بقتل عمر، هذه القواصم خير شاهد على فراسة أبي بكر وصدق رؤيته في العهد لعمر، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أفرس الناس ثلاثة صاحبة موسى التي قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وصاحب يوسف حيث قال:أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا، وأبو بكر حين استخلف عمر (4) ، فقد كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين أمواج الفتن (5) .
(1) تاريخ الإسلام للذهبي عهد الخلفاء ص66-117، أبو بكر رجل دولة ص99.
(2) البخاري، ك الجزية والموادعة رقم 3158.
(3) البخاري، ك فضائل أصحاب النبي رقم 3683.
(4) مجمع الزوائد (10/ 268) صحيح الإسناد.
(5) أبو بكر رجل الدولة ص 100.