وحكى إمامنا محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه قال: رأيت بمكة نصرانيًا يدعى بالأسقف، وهو يطوف بالكعبة، فقلت له: ما الذي رغبك عن دين آبائك؟ فقال: بدلت خيرًا منه، قلت: فكيف كان ذلك؟ فحكى لي أنه ركب البحر. قال: فلما توسطنا فيه انكسرت المركب، فسلمت على لوح، فما زالت الأمواج تدافعني حتى رمتني في جزيرة من جزائر البحر فيها أشجار كثيرة، ولها أثمار أحلى من الشهد، وألين من الزبد، وفيها نهر جارٍ عذب. قال: فقلت الحمد لله على ذلك آكل من هذا الثمر، وأشرب من هذا النهر حتى يأتي الله تعالى بالفرج، فلما ذهب النهار وجاء الليل خفت على نفسي من الدوابِّ، فعلوت شجرة ونمت على غصن، فلما كان في وسط الليل، وإذا بدابة على وجه الماء تسبِّح الله تعالى بلسان فصيح: لا اله إلا الله الغفار،محمد رسول الله النبي المختار.فلما وصلت الدابة إلى البرّ إذا رأسها رأس نعامة ووجهها وجه إنسان، وقوائمها قوائم بعير، وذنبها ذنب سمكة، فخفت على نفسي الهلكة، فنزلت من الشجرة ووليت هاربًا، فالتفتت إليّ وقالت: قف وإلا هلكت، فوقفت فقالت لي: ما دينك؟ فقلت النصرانية. فقالت: ويحك يا خاسر ارجع إلى الحنيفية. فإنك قد حللت بفناء قوم من مؤمني الجنّ لا ينجو منهم إلا مسلم، فقلت: وكيف الإسلام؟ قالت: تشهد أن لا اله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله فقلتها، ثم قالت الدابة: تريد المقام هنا أم الرجوع إلى أهلك؟ فقلت الرجوع إلى أهلي، فقالت: امكث مكانك حتى يجتاز بك مركب، فمكثت مكاني ونزلت الدابة في البحر، فما غابت عن عيني حتى مرّ مركب وركاب، فأشرت إليهم فحملوني فإذا في المركب اثنا عشر رجلًا كلهم نصارى، فأخبرتهم خبري وقصصت عليهم قصتي فأسلموا كلهم.