فسمعه والده الصديق فرق له قلبه، فأمره فارتجعها، فقال عبد الله حين إرتجعها:
أعاتك قد طلقت فِي غير ريبة ... وروجعت للأمر الَّذِي هُوَ كائن
كذلك أمر اللَّه غاد ورائح ... عَلَى الناس فيه ألفة وتباين
وما زال قلبي للتفرق طائرًا ... وقلبي لما قد قرب اللَّه ساكن
ليهنك أني لا أرى فيه سخطة ... وأنك قد تمت عليك المحاسن
وأنك ممن زين اللَّه وجهه ... وليس لوجه زانه اللَّه شائن [1]
ومن هنا تضح لنا صفات جلية في نفس عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، ومن هذه الصفات بره بوالده وطاعته له في غير معصية لله تعالى، وهذا واضح من إستجابته لأمر والده الصديق بطلاق من يعشق من النساء وهي زوجه عاتكة رضي الله عنها، وليس هذا غريبًا عن صحابي جليل عرف عنه التضحية والفداء لله ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا الأمر قد خالف هواه، ولكنه الإنقياد والإستسلام لله تعالى، وثاني هذه الصفات الإعتراف بالذنب ضمنًا وهذا واضح في طلاقه لزوجته رضي الله عنها لأنه علم انه قصر في حق الله تعالى بسبب إنشغاله بزوجته مما دفعه للإستجابة لوالده وهذا إعتراف بالتقصير والخطأ، وهذه شيمة عظيمة لدى المسلمين بشكل عام، وتحسب لعبد الله هنا بشكل خاص، خاصة إذا علمنا أن العشق (المباح) من أشد الأمور على النفس وأصعبها وفراق المحب ليس بالأمر الهين وهو يغالب النفوس إن لم تكن هذه النفوس كبارًا، وصفة أخرى واضحة جلية وهي الوفاء للزوجة الكريمة الأصيلة وهذا واضح من خلال الأبيات التي وردت على لسانه في حق زوجته بعدما طلب منه أبوه إرجاعها، ولا شك أن عبد الله كان يحب زوجه عاتكة حبًا كبيرًا وهذا
(1) . الاستيعاب في معرفة الأصحاب، القرطبي، (4/ 1877) .