صفحة رقم 4
لا تلد إلا ملوكًا أبطالًا ، فدعاها كسرى ، فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشًا
واستعمل رجلًا من بنيك ، فأشيرى على أيهم استعمل ، فقالت: هذا فلان وسمته وهو
أروغ من ثعلب وأجبن من صقر ، وهذا الفرخان وهو أنقذ من السنان ، وهو شهر بران ،
وهو أحلم من الأرزان فاستعمل أيهم شئت .
قال إني استعمل الحليم ، فبعث شهر بران على الجيش ، فسار الروم إلى أرض فارس ،
فظهر عليهم وخرب مدائنهم ، وقطع زيتونهم ، فلما ظهرت فارس على الروم جلس
الفرخان يشرب ، فقال لأصحابه: قد رأيت في المنام أني جالس على سرير كسر ، فعمد
الملاقون المبلغون بالأحاديث ، فكتبوا إلى كسرى أن عبدك الفرخان يتمنى في المنام أن
يقعد على سريرك ، فكتب كسرى إلى شهربران إذا جاءك كتابي هذا فابعث برأس
أخيك الفرخان ، فكتب إليه شهربران أيها الملك إن الفرخان له صولة ونكاية في العدو ،
فلا تفعل ، فكتب إليه كسرى إن في رجال فارس منه خلفًا وبدلًا ، فعجل على برأسه
فراجعه .
فقال: أيها الملك ، إنك لن تجد من الفرخان بدلًا صولة ونكاية ، فغضب كسرى فلم
يجبه وبعث بريدًا إلى أهل فارس الذين بالروم: إني قد نزعت عنكم شهربران واستعملت
عليكم الفرخان ، ودفع إلى صاحب البريد صحيفة صغيرة ، فقال: إذا ولي الفرخان وانقاد
له أخوه ، فادفع إليه الصحيفة ، فلما قرأ شهربران الكتاب قال: سمعًا وطاعة ووضع تاجه
على رأس أخيه ، ونزل عن سريره ، وجلس عليه الفرخان ، ودفع الرسول الصحيفة إليه ،
فقال: ائتونى بشهربران ، فأتى به ليضرب عنقه ، فقال شهربران: لا تعجل حتى أكتب
وصيتى ، قال: فكتبها ، فدعا بسقط فيه ثلاث صحائف .
وقال: ويحك أنت ابن أمي وأبي ، وهذه ثلاث صحائف جاءتني في قتلك ، فراجعت
فيك كسرى ثلاث مرات ، فقال الفرخان: أمنا والله كانت أعرف بنا ، أنت أحلم من
الأزرق حين راجعت في ثلاث مرات ، وأنا أنفذ من السنان حين أردت قتلك بكتاب
واحد ، ثم رد الملك إلى أخيه ، وكان أكبر منه ، فكتب شهربران إلى قيصر إن لي إليك
حاجة لا تحملها البرد ، ولا تبلغها الصحف ، فالقنى ولا تلقني إلا في خمسين روميًا ، فإني
ألقاك في خمسين فارسيًا ، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي ، فجعل يبثهم في الطرق ،
وبعث بين يديه العيون مخافة أن يكون مكرًا منه حتى أتته عيونه أن ليس معه إلا خمسين
رجلًا ، ثم بسطت لهم بسط ، فمشيًا عليها ونزلًا عن برذونيهما إلى قبة من ديباج ضربت