الصفحة 4 من 15

الحمد لله بالعشى والإشراق ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من وقع على محبته الإتفاق ، وطلعت شموس أنواره في غاية الإشراق ، وتفرد في ميدان الكمال بحسن الإستباق ، الناصح الأمين الذي اهتدى الكون كله بعلمه وعمله ، والقدوة المكين الذي اقتدي الفائزون بحاله وقوله ، ناشر ألوية العلوم والمعارف ، ومسدي الفضل للأسلاف والخوالف ، الداعي على بصيرة إلى دار السلام ، والسراج المنير والبشير النذير ، علم الأئمة الأعلام ، الآخذ بحُجُزِ مُصَدِّقيِّه عن التهافت في مداحض الأقدام ، والتتابع في مزلات الجرأة على العصيان والآثام .

وبعد . فهذه نبذة مختصرة عن تصحيح حديث السجود على الحجر الأسود ، وبيان صحة نسبته إلى النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قال أبو محمد الدارمى (1865) : أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ ثُمَّ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا ؟ ، فَقَالَ: رَأَيْتُ خَالَكَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَفْعَلُهُ ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ فَعَلَهُ ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ هَذَا .

وقال أبو بكر البزار (1/332/215) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا أَبُو عَاصِمٍ نَا جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ المخزومي قال:: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ، قلت: مَا هَذَا ؟ ، قال: رَأَيْتُ خَالَكَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ، وقال: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَه ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ، وقال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَه ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ .

وأخرجه كذلك ابن خزيمة (2714) ، والفاكهى (( أخبار مكة ) ) (76) ، والبيهقى (( الكبرى ) ) (5/74) جميعاًَ من طريق أبى عاصم النبيل عن جعفر بن عبد الله بن عثمان به بنحو حديث البزار .

وأخرجه الحاكم (1/625) من طريق أبى عاصم بإسناده ومتنه نحوه ، إلا أنه قال (( جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم ) )، فتوهمه (( ابن الحكم السلمى ) )، فأخطأ .

قلت: وهذا إسناد متصل صحيح ، رجاله ثقات كلهم . وقد أقام أبو عاصم النبيل إسناده ، وجوَّد سياقه ومتنه ، وإليه المرجع في صحة هذا الحديث . وجعفر بن عبد الله بن عثمان حجازى مخزومى ثقة . قال ابن أبى حاتم (( الجرح والتعديل ) ) (2/482/1963) : (( جعفر بن عبد الله بن عثمان بن حميد القرشي المخزومي الحجازي ، يقال له: جعفر الحميدي . روى عن: عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير . روى عنه: أبو داود ، وأبو عاصم ، وعبد الله بن داود . أخبرنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلىِّ قال: سألت أبى عن شيخ روى عنه أبو داود الطيالسي يقال له: جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي ؟ ، فقال أبى: جعفر ثقة ) ).

وذكره البخارى فى (( التاريخ الكبير ) ) (2/194/2170) ، وذكر اختلاف أبى عاصم وأبى داود وعبد الله بن داود ثلاثتهم على اسمه ، ثم قال: والقول ما قاله أبو عاصم .

وذكره مسلم فى (( الكنى والأسماء ) ) (1/484/1872) ، وكنَّاه أبا عبد الله .

وذكره ابن حبان فى (( الثقات ) ) (8/159/12741) .

وللحديث إسنادان آخران:

( الأول ) قال أبو داود الطيالسى (28) : حدثنا جعفر بن عثمان القرشي من أهل مكة قال: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ ، ثم قال: رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَبَّلَه وَسَجَدَ عَلَيْهِ ، فقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قَبَّلَه وَسَجَدَ عَلَيْهِ ، ثم قال عمر: لو لمْ أرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَه مَا قبِّلتُهُ .

وأخرجه كذلك أبو يعلى (1/192/219) ، والبيهقى (5/74) ، والضياء (( المختارة ) ) (1/384/173) جميعًا من طريق الطيالسى به .

وفى روابة أبى يعلى وحده (( جعفر بن محمد ) )، ولعلها تصحيف ، فهى خلاف الثابت عن الطيالسى فى (( مسنده ) ).

وهكذا قال الطيالسى (( جعفر بن عثمان ) )، فلعله نسبه إلى جده ، كما قال أبو بكر البيهقى ، وإلا فهو خلاف المحفوظ (( جعفر بن عبد الله بن عثمان ) )، كما رجحه البخارى فى (( التاريخ الكبير ) )فقال: (( والقول ما قاله أبو عاصم ) ).

( الثانى ) قال الفاكهى (( أخبار مكة ) ) (77) : حدثنا محمد بن أبان ثنا عبد الله بن داود الخريبي عن جعفر قال: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ الحديث بنحو رواية أبى عاصم .

هكذا أبهمه الخريبى (( عن جعفر ) )، فلم ينسبه .

والصواب من هذه الأوجه الثلاث ، هو (( جعفر بن عبد الله بن عثمان ) )، إذ باقى الأوجه ترجع إليه بنوع تأويلٍ .

فإذا بان ذلك ووضحت دلالته ، علمت أن تضعيف الشيخ أبى إسحاق الحوينى للحديث فى (( تنبيه الهاجد ) ) ( 1/71) غير سديد ، وكذلك جزمه بوهم الحافظ الهيثمى لتجويده طريق البزار بعيد عن النظر الممعن لأسانيد الحديث ، واختلاف الرواة الثلاثة عليه ، وإقامة أبى عاصم النبيل إسناده وإتقانه متنه .

وسياقة الشيخ للحديث من طريقى أبى عاصم وأبى داود معًا (( عن جعفر بن محمد المخزومى ) )، يدل على عدم ملاحظة الفارق الواضح بين إسناد أبى عاصم ، وإسناد الطيالسى ، فقد أقامه الأول فقال (( عن جعفر بن عبد الله بن عثمان ) )، وقال الثانى (( عن جعفر بن عثمان ) )، وليس كما نقل الشيخ . ولهذا توهم الشيخ أبو إسحاق أنه (( جعفر بن محمد بن عباد بن جعفر ) )، والصواب أن الحديث ليس له ، وإنما هو لثقةٍ غيره كما أوضحناه !! .

والخلاصة ، فهذا الحديث صحيح ، وإسناد أبى عاصم غاية ، وإليه المرجع وعليه الاعتماد في تصحيحه ، كما حكم له الحافظ الهيثمى (( مجمع الزوائد ) ) (3/241) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت