الحمد لله الهادى إلى سبل الرشاد . نستعينُه ونستهديه ونسترفدُه العونَ والسداد . والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث بالهدى والخير والرحمة إلى كلِّ العباد . وبعد ..
فلا يذهبنَّ عنك ما قررته آنفاَ بقولى: (( ما أيسره عملًا ، وأسهله منهجًا ، أن يعمدَ أحدُهم إلى الحديث ، وقد اطَّلع على بعض مصادره ، فيتعرف على رجال إسناده ، ثم يقابلهم بما اختصره الحافظ المزى أو الذهبى أو العسقلانى من مراتبهم في الجرح والتعديل ، ويحكم بمقتضى ذلك على الحديث بالضعف أو الصحة .
وقد أفرزت هذه السطحية والظاهرية كمًا هائلًا من الأحكام الخاطئة على الأحاديث النبوية ، والآثار المصطفوية ، حتى تطرق ذلك إلى أحاديث (( الصحيحين ) )، و (( السنن الأربعة ) )، وصحيحى ابن خزيمة وابن حبان ، والكثير من الأحاديث التى احتج بها أكثر أهل العلم من المحدثين والفقهاء والأصوليين .
ومن محدثات الأمور في ذلك أن حُملتْ أحكام أئمة الجرح والتعديل على غير محاملها ، وصُرفتْ إلى غير معانيها ، وحُرفتْ عن مواضعها ، فضلًا عن الآراء المنحرفة في حقِّ الكثير من رفعاء الأئمة وعلماء الأمة )) .
وكذلك لا يغيبنّ عنك ما أثبتُه في حق قرَّة بن عبد الرحمن المعافرى بقولى: (( ومما يقتضيه النظر الممعن فيما حُكى من الاختلاف على جرح أو توثيق قرَّة بن عبد الرحمن ، ألا يطرح حديثُه بمرَّة ، بل يُحتج بما وافق فيه الثقات ، كنحو صنيع الإمام مسلم في احتجاجه بحديثه عن عامر بن يحيى المعافرى عن حنشٍ الصنعانى عن فضالة بن عبيد أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، فَلا يَأْخُذَنَّ إِلا مِثْلًا بِمِثْلٍ ) ).
وتتمةً لما سبق بيانه ، أقول والله المستعان وعيه التكلان:
وأما الحديث الثانى من أحاديث قرَّة بن عبد الرحمن المعافرى:
قال أبو داود (3722) : حدثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الله بن وهب أخبرني قرة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي سعيد الخدري أنه قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ ، وَأَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ .
وأخرجه كذلك أحمد (3/80) ، وعبد الله بن أحمد (( زوائد المسند ) ) (3/80) ، وابن حبان (5315) وصحَّحه ، والبيهقى (( شعب الإيمان ) ) (5/117/6019) من طرق عن عبد الله بن وهبٍ أخبرنى قرَّة به مثله .
قلت: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال البخارى ، خلا قرَّة بن عبد الرحمن المعافرى ، وقد وثق ، ولم يتفرد بهذا المتن ، بل توبع عليه .
فمما يشهد للشطر الأول منه: حديث أبى هريرة .
أخرجه عبد الرزاق (( جامع معمر ) ) (10/427) ، ومن طريقه الخطيب (( موضح الأوهام ) ) (1/534) عن معمر ، والطبرانى (( الأوسط ) ) (7/55/6833) عن عبد الله بن المبارك عن معمر ، عن جعفر بن برقان الجزرى عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: (( نهي أنْ نَشْرَبَ مِنْ كَسْرِ الْقَدَحِ ) ).
ولفظ عبد الرزاق (( كره أنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْرِ الْقَدَحِ ، أو يتوضأ منه ) ).
قلت: وهذا إسناد صحيح على رسم مسلم ، وحكمه الرفع . ولهذا قال الحافظ الهيثمى (( مجمع الزوائد ) ) (5/78) : (( رواه الطبراني في (( الأوسط ) )، ورجاله ثقات رجال الصحيح )) .
ومما يشهد للشطر الثانى منه: حديث أبى سعيد الخدرى .
أخرجه يحيى بن يحيى (( موطأ مالك ) ) (1718) : عن مالك عن أيوب بن حبيب مولى سعد بن أبي وقاص عن أبي المثنى الجهني أنه قال: كنت عند مروان بن الحكم ، فدخل عليه أبو سعيد الخدري ، فقال له مروان بن الحكم: أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ ؟ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي لا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَأَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ ، ثُمَّ تَنَفَّسْ ) )، قَالَ: فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ ، قَالَ: (( فَأَهْرِقْهَا ) ).
وأخرجه كذلك ابن أبى شيبة (5/107/24178) ، وأحمد ( 3/26،32،57 ) ، والدارمى (2040،2029) ، وعبد بن حميد (980) ، والترمذى (1887) ، وأبو يعلى (1301) ، وابن حبان (5327) ، والحاكم (4/155) ، والبيهقى (( شعب الإيمان ) ) (5/114/6005) من طرق عن مالك بإسناده نحوه ، وأكثرهم يرويه مختصرًا .
قال أبو عبد الله الحاكم: (( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ).
قلت: وهو كما قال ، ويكفى تخريج إمام دار الهجرة إيَّاه فى (( موطئه ) ). وأبو المثنى الجهنى ممن يذكر في الوحدان ، ليس له فى (( الكتب الستة ) )إلا هذا الحديث . وهو ثقة لذكر الإمام مالك إيَّاه فى (( الموطأ ) )، إذ لا يذكر فيه إلا الثقات . قال ابن أبى حاتم (( الجرح والتعديل ) ) (9/444/2241) : (( أبو المثنى الجهني مدينى . سمع سعد بن أبى وقاص ، وأبا سعيد الخدري . روى عنه: أيوب بن حبيب ، ومحمد بن أبى يحيى سمعت أبى يقول ذلك . وذكره أبى عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين قال: أبو المثنى الذي يروى عنه أيوب بن حبيب ثقة ) ). وذكره كذلك ابن حبان فى (( الثقات ) ) (5/565) وصحَّح حديثه .
وفى النهى عن النفخ في الشراب والإناء أحاديث عن: ابن عباس ، وابن عمر ، وأبى قتادة ، وليس ذا موضع بسطها .
فإن قيل: قد أخرج الحديث بتمامه الطبرانى (( الكبير ) ) (6/125/5722) قال: حدثنا عبدان بن أحمد ثنا أبو مصعب ثنا عبد المهيمن عن أبيه عن جده ـ يعنى سهل بن سعد ـ: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ ، وَأَنْ يُشْرَبُ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ .
قلنا: هذا إسناد ليس بالقائم ، والحديث منكر بهذا الإسناد . وإن كان كلُّ رجاله موثقين: عبدان المروزى فما فوقه ، إلا أن عبد المهيمن بن العباس بن سهل بن سعد الساعدى واهٍ بمرَّة ، لا أعلم أحدًا رضيه أو حمده ، له نسخة عن أبيه عن جده فيها مناكير ، قاله أبو زكريا الساجى . وقال البخارى وأبو حاتم الرازى: منكر الحديث . وقال الحافظ ابن الجوزى (( الضعفاء والمتروكين ) ) (2/154/2193) : (( عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي منكر الحديث . قال علي بن الحسين بن الجنيد: ضعيف الحديث . وقال النسائي: متروك الحديث . وقال ابن حبان: لما فحش الوهم في روايته بطل الاحتجاج به . وقال الدارقطني: ليس بالقوي ) ).
قلت: عبارة ابن حبان فى (( المجروحين ) ) (2/148) : (( ينفرد عن أبيه بأشياء مناكير لا يتابع عليها من كثرة وهمه ، فلما فحش ذلك في روايته بطل الاحتجاج به ) ).
وأما الحديث الثالث من أحاديث قرَّة بن عبد الرحمن المعافرى:
قال أبو بكر بن خزيمة (1595) : أخبرنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ثنا ابن وهب عن يحيى بن حميد عن قرة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها ، قبل أن يقيم الإمام صلبه ) ).
وأخرجه كذلك العقيلى (( الضعفاء الكبير ) ) (4/398) ، وابن عدى (( الكامل ) ) (7/228) ، والدارقطنى (1/346/1) ، والبيهقى (( الكبرى ) ) (2/89) من طرق عن ابن وهب عن يحيى بن حميد عن قرَّة به مثله .
قلت: وهذا الحديث مستفيض مشهور من حديث الزهرى بدون هذه الزيادة (( قبل أن يقيم الامام صلبه ) )، والحمل فيه على يحيى بن حميد شيخ ابن وهب ، فإنه غير معروف بحمل العلم ، وليس له من المسندات غير هذا الحديث ، ولم يتابع عليه .
وذكره ابن حبان فى (( الثقات ) ) (9/251) . وقال أبو عبد الرحمن بن يونس المصرى كما فى (( لسان الميزان ) ) (6/250) : (( يحيى بن حميد بن أبي سفيان المعافري . أسند حديثًا واحدًا ، وله مقطعات ) ).
وقال أبو أحمد بن عدى: (( وهذه الزيادة: (( قبل أن يقيم الامام صلبه ) )يقولها يحيى بن حميد ، وهو مصري ، ولا أعرف له إلا هذا الحديث )) اهـ .
وبيَّن ذلك أبو جعفر العقيلى غاية البيان ، فقال: (( رواه معمر ومالك ويونس وعقيل وابن جريج وابن عيينة والأوزاعي وشعيب عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) )، ولم يذكر أحد منهم هذا اللفظ (( قبل أن يقيم الإمام صلبه ) )، ولعل هذا من كلام الزهري ، فأدخله يحيى بن حميد في الحديث ، ولم يبينه )) .
قلت: وهذا من أوضح وأبين ما عُلل به هذا الحديث ، وسبيل إيضاحه أن نقول:
أخرج يحيى بن يحيى (( موطأ مالك ) ) (15) : عَنْ مَالِك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ ) ).
وأخرجه كذلك البخارى (580) ، ومسلم (607) ، وأبو داود (1121) ، والنسائى (( الكبرى ) ) (1/481/1537) و (( المجتبى ) ) (1/274) ، وأبو عوانة (( المسند ) ) (1530،1529) ، والطحاوى (( السنن المأثورة عن الشافعى ) ) (110) ، وابن حبان (1483) ، وأبو نعيم (( المسند المستخرج ) ) (2/203/1349) ، والبيهقى (( الكبرى ) ) (1/386) من طرق عن مالك عن الزهرى أخبرنى أبو سلمة عن أبى هريرة به .
وتابع مالكًا عن الزهرى جماعة كثيرون: عبيد الله بن عمر ، وابن عيينة ، ومعمر ، والأوزاعى ، وابن جريج ، ويونس بن يزيد ، وشعيب بن أبى حمزة ، وعقيل بن خالد ، ويزيد بن عبد الله بن الهاد ، وإبراهيم بن أبى عبلة ، وثابت بن ثوبان ، ومعاوية بن يحيى الصدفى ، وكلهم يقول (( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ ) ). وسبيل تخريج أحاديثهم يطول .
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى .