ذكر البيان بأن مالكًا احتج فى (( الموطأ ) )برجال مجاهيل لم يرو عنهم
إلا واحد ، وقد وُثقوا لتخريج مالك أحاديثهم فى (( الموطأ ) )
الحمد لله العزيز الغفار ، الذى نصب في كلّ جيلٍ طائفةً ليتفقهوا في الدين ويستقرئوا سالف الآثار ، وهيأهم لإدراك الصحيح والضعيف من السنن والأخبار ، أولئك الذين تنجلى بهم الظلم ، وتنكشف بهم الغمم ، ويُهتدَى بهم على كرِّ الدهور والأعصار .
أحمده وهباته تنزل تترى على توالى الليل والنهار ، وأرجوه وأخافه وبيده مقاليد الأمور ويعلم كمائن الأسرار ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادةً دلائلها مشرقة الأنوار ، ونتيجة اعتقادها مباينة أهل العناد من المشركين والكفار ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه المجتبى ونبيُّه المختار . وبعد !
فإنَّ للمتأخرين مذهبًا مرجوحًا في تضعيف أحاديث المجاهيل مطلقًا ، سواءًا كبارهم وصغارهم ، وسواءًا روى عنهم الثقات أو غيرهم ، وقد أردنا أن نوقفك على وعورة هذا المسلك ، مع بيان أنه خلاف الراجح مما كان عليه سلف الأئمة من تلقى أحاديث بعضهم بالقبول والتصحيح والاحتجاج بها ، وسوف نوقفك في خاتمة هذا البحث على ثمانية مذاهب في حكم رواية المجهول . وقد ذكرتُ في مقالين سابقين أربعةً من النسوة المجهولات اللاتى احتجَّ بهن إمام دار الهجرة فى (( موطئه ) ):
( الأولى ) كبشة بنت كعب بن مالك لم يرو عنها إلا حميدة بنت عبيد بن رفاعة .
( الثانية ) حميدة أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف لم يرو عنها غير محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى .
( الثالثة ) مرجانة أم علقمة مولاة عائشة لم يرو عنها غير ابنها علقمة .
( الرابعة ) أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان لم يرو عنها غير ابنها محمد .
واستقصيت أحاديثهن ، وبينت تصحيح الأئمة إيَّاها وتلقيهم لها بالقبول . وهذا حين الشروع في ذكر جماعة من المجاهيل الذين وثقهم إمام أئمة التعديل والتزكية: مالك بن أنس ، بتخريجه لأحاديثهم فى (( موطئه ) ). ولا يغيبنَّ عنك أن مالكًا كان شديد التحرى في البحث عن الرجال ، فلم يدخل فى (( موطئه ) )إلا الثقات . كما قال بشر بن عمر الزهرانى: سألت مالك بن أنس عن رجل ؟ ، فقال: هل رأيته في كتبي ؟ ، قلت: لا ، قال: (( لو كان ثقة لرأيته في كتبي ) ). وقال على بن المدينى: لا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا إنسانًا في حديثه شئ .
(1) بسر بن محجن بن أبى محجن لم يرو عنه إلا زيد بن أسلم
أخرج حديثه يحيى بن يحيى (( الموطأ ) ) (1/153. تنوير الحوالك) : عن مالك عن زيد بن أسلم عن رجل من بني الديل يقال له بسر بن محجن عن أبيه محجن أنه كان في مجلس مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأذن بالصلاة ، فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فصلَّى ، ثم رجع ومحجن في مجلسه لم يصل معه ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ما منعك أن تصلِّي مع الناس . ألست برجلٍ مسلمٍ ؟ ) )فقال: بلى يا رسول الله ، ولكني قد صليت في أهلي ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إذا جئت فصلِّ مع الناس ، وإن كنت قد صليت ) ).
وأخرجه كذلك الشافعى (( المسند ) ) (ص214) و (( الأم ) ) (7/191) ، وعبد الرزاق (2/420/3932 ، 3933) ، وأحمد (4/34) ، والنسائى (( الكبرى ) ) (1/299/930) و (( المجتبى ) ) (2/112) ، وابن أبى عاصم (( الآحاد والمثانى ) ) (2/206/958) ، وابن حبان كما فى (( موارد الظمآن ) ) (433) ، والطحاوى (( شرح المعانى ) ) (1/362،363) ، وابن قانع (( معجم الصحابة ) ) (3/68) ، والطبرانى (( الكبير ) ) (20/296:293/702:696) ، والعسكرى (( تصحيفات المحدثين ) ) (2/577) ، والدارقطنى (1/415/1) ، والحاكم (1/244) ، والبيهقى (2/300) ، وابن الجوزى (( التحقيق في أحاديث الخلاف ) ) (1/448/631) من طرق عن زيد بن أسلم عن بسر أو بشر بن محجن الديلى عن أبيه به .
قال البخارى فى (( التاريخ الكبير ) ) (8/4/1929) : (( محجن الديلي له صحبة . قال لنا إسماعيل عن مالك عن زيد بن أسلم عن بسر بن محجن عن أبيه قال: صليت في أهلي ، ثم أتيت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فجلست ، فلما قضى الصلاة ، قال: (( ألست برجل مسلم ؟ ) )، قلت: نعم ، قال: (( فما منعك أن تصلَّي مع الناس ؟ ) )، قلت: صليت في أهلي ، قال: (( صلِّ ، وإن كنت صليت ) ). وقال أبو نعيم عن سفيان عن زيد عن بشر بن محجن الديلي عن أبيه . قال أبو نعيم: وهم سفيان ، وإنما هو بسر )) .
وقال أبو عمر بن عبد البر (( التمهيد ) ) (4/223:222) : (( اختلف الناس عن زيد ابن أسلم في اسم هذا الرجل ، فقال مالك وأكثر الرواة له عن زيد فيه (( بسر بن محجن ) )بالسين المهملة ، كذلك هو في (( الموطأ ) )عند جمهور رواته ، وقيل فيه بشر بن عمر الزهراني عن مالك عن زيد بن أسلم عن (( بشر ابن محجن ) )، فقيل له في ذلك ، فقال: كان مالك بن أنس يروي هذا الحديث قديما عن زيد بن أسلم فيقول فيه (( بشر ) )، فقيل له هو (( بسر ) )، فقال عن (( بسر ) )أو (( بشر ) )، وقال بعد ذلك عن زيد بن أسلم عن (( ابن محجن ) )، ولم يقل (( بسر ) )ولا (( بشر ) ). وقال فيه الثوري عن زيد بن أسلم عن (( بشر ) )بالشين المنقوطة ، وكان أبو نعيم يقول: بالسين كما قال مالك ، ومن تابعه . ورواه الدراوردي عن زيد بن أسلم فقال فيه عن (( بشر ) )بالمنقوطة كما قال الثوري . ورواه ابن جريج عن زيد بن أسلم فقال فيه (( بسر ) )كما قال مالك . وروى هذا الحديث أيضا حنظلة بن علي الأسلمي عن (( بشر بن محجن ) )، ولم يذكر أباه ، ورواه عبد الله بن جعفر بن نجيح عن زيد بن أسلم عن (( بشر بن محجن ) )عن أبيه بالمنقوطة كما قال الثوري في رواية أصحاب الثوري عنه ، وقد قيل فيه عن الثوري (( بسر ) )أيضًا ))
قلت: والذى رجحه أكثر الأئمة (( بسر ) ). قال أبو حاتم بن حبان (( الثقات ) ) (3/399/1315) : (( محجن الديلى ، والد بسر بن محجن ، له صحبة . ومن قال (( بشر ) )فقد أخطأ )) . وكذا قال البخارى فى (( التاريخ الكبير ) ) (2/124/1915) ، وابن أبى حاتم فى (( الجرح والتعديل ) ) (2/423/1682) ، وأبو القاسم الطبرانى فى (( المعجم الكبير ) ) (20/294) .
والخلاصة أنه بسر بن محجن بن أبى محجن الديلى ، تفرد بالرواية عنه زيد بن أسلم . وذكره ابن حبان فى (( الثقات ) )، وقد تلقى جماهير الأئمة حديثه بالقبول ، والعمل بمقتضاه وإن اختلفوا في بعض معانيه . وذكره الحافظ الذهبى فى (( المغنى في الضعفاء ) ) (1/103) فقال: (( لا يكاد يعرف ) )!! ، مع تخريج مالك حديثه فى (( الموطأ ) ). والقاعدة عند الحافظ الذهبى فيمن (( لا يعرف ) )ما قرره فى (( ديوان الضعفاء ) )بقوله: (( وأما المجهولون من الرواة ، فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم احتمل حديثه وتلقى بحسن الظن ، إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ ) )اهـ .
وقال الحافظ ابن حجر (( التقريب ) ) (1/122/668) : (( صدوق من الرابعة ) )، يعنى من أوساط التابعين أمثال: إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة ، وصفوان بن سليم ، وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان ، وعامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث ، والنعمان بن أبى عياش الزرقى من المدنيين .
وإذ لم يرو عنه إلا زيد بن أسلم ، فقد ثبت أن محله محل الجهالة ، ومع ذا أخرج مالك حديثه فى (( الموطأ ) )، وفى ذلك توثيق له وأشباهه ممن تفرد بالرواية عنهم واحد .
رافع بن إسحاق الأنصارى مولى الشفاء لم يرو عنه إلا إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة
وله فى (( الموطأ ) )حديثان:
( الحديث الأول )
أخرجه يحيى بن يحيى (( الموطأ ) ) (1/199. تنوير الحوالك) : عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن رافع بن إسحاق مولى لآل الشفاء ـ وكان يقال له مولى أبي طلحة ـ أنه سمع أبا أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس ، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إذا ذهب أحدكم الغائط أو البول ، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه ) ).
وأخرجه ابن أبى شيبة (1/139/1602) ، وأحمد (5/414،415) ، والنسائى (( المجتبى ) ) (1/21) ، والطحاوى (( شرح المعانى ) ) (4/232) و (( السنن المأثورة ) ) (1/189/112) ، والطبرانى (( الكبير ) ) (4/141/3931،3932،3933،3934) من طرق عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن رافع بن إسحاق عن أبى أيوب به .
قال أبو عمر بن عبد البر (( التمهيد ) ) (1/303) : (( هكذا قال مالك في هذا الحديث مولى لآل الشفاء . والشفاء اسم امرأة من الصحابة من قريش ، وهي الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خالد من بنى عدي بن كعب ، وهي أم سليمان بن أبي خيثمة ، وقد ذكرناها في كتابنا في الصحابة . وكان حماد بن سلمة يقول عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن رافع ابن إسحاق مولى أبي أيوب . وكان مالك يقول: وكان يقال له مولى أبي طلحة . وهو من تابعي أهل المدينة ثقة فيما نقل وحمل ، وحديثه هذا حديث متصل صحيح ) ).
وقال البخارى (( التاريخ الكبير ) ) (3/305/1036) : (( رافع بن إسحاق مولى أبي أيوب الأنصاري ، قاله حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله ، وقال مالك عن إسحاق هو مولى الشفاء وكان يقال مولى أبي طلحة الأنصاري . سمع أبا أيوب الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري . يُعد في أهل المدينة ) ).
وذكره النسائى فى (( المنفردات والوحدان ) ) (1/187) فقال: (( وممن تفرد عنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة بالرواية: رافع بن إسحاق مولى الشفا ) ).
قلت: ووثَّقه النسائى والعجلى وابن حبان ، وقبل توثيقهم إيَّاه كان مالك قد خرَّج حديثه فى (( الموطأ ) )، ولعلهم إنما وثَّقوه لما رأوا مالكًا قد احتج به ، وإلا فإنه على مذهب من أطلق القول بتضعيف المجهول الذى لم يرو عنه إلا واحد ، فلا مزية له على غيره سواءً أخرج له مالك أو غيره ! .
( الحديث الثانى )
أخرجه يحيى بن يحيى (( الموطأ ) ) (3/135. تنوير الحوالك) : عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن رافع بن إسحاق مولى الشفاء أخبره قال: دخلت أنا وعبد الله بن أبي طلحة على أبي سعيد الخدري نعوده ، فقال لنا أبو سعيد: أخبرنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أَنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ صُورَةٌ ) )شَكَّ إِسْحَقُ: لا يَدْرِي أَيُّهُمَا قَالَ .
وأخرجه أحمد (3/90) ، والترمذى (2805) ، وأبو يعلى (2/475/1303) ، وابن حبان (5849) من طرق عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به مثله .
وقال أَبو عيسى الترمذى: (( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ).
وقال أبو عمر بن عبد البر: (( هذا أصح حديثٍ في هذا الباب ، وأحسنه إسنادًا ) ).
قلت: هو كما قالا ، وكفى بثبوت صحته وتوثيق رواته تخريج مالك إياه فى (( موطئه ) ).